جنيه من أوقاف المسلمين لمدرسة الجامعة المصرية التي هي مدرسة دنيوية عاملة،
لا تعاليمها إسلامية ولا معلموها ولا طلابها من المسلمين وحدهم، وقد صدر الأمر
العالي الخديوي بتعيين أحمد حشمت ناظر المعارف ناظرا للأوقاف وهو الذي اتفق
على الثقة به الأمير والعميد، وله في الأمة ذكر حميد، وههنا بحث شرعي مهم:
نظارة الأوقاف في نظر الشرع الإسلامي:
لم نكتب في هذه المسألة شيئا قبل انتهائها؛ إذ ليس من عادتنا الدخول في
السياسة أو الإدارة المصرية العملية، وإنما نكتب في بعض المسائل لأجل العبرة
والتاريخ. وقد كان سألنا بعض كبراء الإنكليز هل تحويل مديرية الأوقاف إلى
نظارة جائز في الدين الإسلامي أم لا؟ فكان مما قلناه في الجواب: إذا كان المراد
من هذا التحويل تسمية المتولي لأمور الأوقاف والمتصرف فيها ناظرا فهذه التسمية
هي الموافقة لاصطلاح الشرع، إذ الذي يعرف في كتب الفقه لفظ ناظر الوقف
ونظار الأوقاف، وأما لفظ مدير الوقف فلا يذكر فيها، وإذا كان المراد من هذا
التحويل تغيير نظام إدارة الأوقاف وجعل الناظر المتولي لها تحت سيطرة أجنبية
كما هو شأن نظار الحكومة المصرية غير مستقل بعمله فيكون له حكم آخر.. .
وذكرنا له ذلك الحكم بالإجمال وإن التفصيل فيه يتوقف على معرفة ذلك التغيير ما
هو.
تعيين نظار الأوقاف وعزلهم من حقوق قضاة الشرع. وكان ناظر الأوقاف
العمومية التي يديرها الديوان قبل هذا التحويل هو الخديو عباس حلمي باشا، وكان
مدير الأوقاف وكيلا شرعيا عنه، والمفهوم من نص الأمر العالي أن الأمر في هذا
بقي كما كان، وأن الناظر الجديد ناظر سياسي يكون وكيلا للناظر الشرعي فهو كما
جعله ناظرا سياسيا يجعله وكيلا شرعيا عنه، فجميع تصرفاته الشرعية تكون له
بصفة الوكالة عن الناظر الشرعي، والذي له بالأصالة وصفة النظارة هو ما عدا
ذلك كالمشاركة في أعمال مجلس النظار.
ومن هنا يظهر الفرق بين الناظر في الآستانة والناظر في مصر عند الفقهاء،
فالذي يولي النظار هناك هو صاحب السلطة الشرعية العليا هناك وهنا، وهو الذي
يولي شيخ الإسلام وقاضي مصر ويأذن لشيخ الإسلام بتولية قضاة الشرع وعزلهم،
وهو الذي يولي خديو مصر نفسه فليس له من السلطة الشرعية إلا ما أعطاه في
فرمان توليته.
وبقي من مباحث هذه المسألة أن الحكومة جعلت شيخ الجامع الأزهر ومفتي
الديار المصرية عضوين في المجلس الأعلى لهذه النظارة ليطمئن المسلمون على
كون أوقافهم لا يتصرف فيها إلى على وفق شرعهم وحسب مصالحهم، وكون
معاهد التعليم الديني تبقى مضمونة التقدم والارتقاء، ورضاء المعتمد الإنكليزي بهذا
مع عدم تعيين مستشار إنكليزي لهذه النظارة مما يقصد به إقناع المسلمين بأن
الإنكليز لا يريدون من هذه النظارة شيئا ينافي مصلحة المسلمين المحضة.
وقد يقال هنا: لم لم يجعل نصف أعضاء هذا المجلس من علماء الشرع
ونصفه من علماء الإدارة والنظام مع كون الترجيح في هذه الحالة بين النصفين
يكون للناظر الذي هو من القسم الثاني، وإن لم يحضر من أعضائه إلا واحد فقط؟
وإذا فرضنا الآن أن الشيخين ارتأيا في المجلس رأيا أو اقترحا اقتراحا مبنيا على
جعل بعض الأعمال مطابقا لحكم الشرع أو لمصلحة المعاهد الدينية وخالفهما فيه
سائر الأعضاء وهم الأكثر فكيف يتحقق ما ذكرناه من حكمة تعيينهما، وهما لا
يرجح لها رأي في المجلس إلا إذا وافقهما الناظر وسائر الأعضاء، وهؤلاء إذا
خالفوا الشيخين نفذ رأيهم حتما؟ لا أجد لهذا السؤال جوابا يؤيد الحكومة إلا أن
وجود الشيخين يضمن ما ذكر من موافقة الشرع والمصالح الإسلامية ببيانهما
للمجلس ما عساه يخفى على سائر الأعضاء من الأحكام وحاجات المعاهد الدينية،
ولا يخشى حينئذ أن يخالفهما سائر الأعضاء، وكلهم من المسلمين الذين تجتهد
الحكومة في جعلهم من أهل الاستقامة واستقلال الرأي. والحق أن استقامة أعضاء