تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أو مكابر، فها نحن أولاء نرى طائفة القبط كانت وما زالت أشد معارضة للمسلمين

في منازعهم السياسية والمصالح والمنافع المصرية من الأجانب أنفسهم، بل نرى

مثل هذا في أرقى البلاد مدنية، فإن طائفة البروتستانت في أرلندة غير راضية

بالاستقلال الذي رضيته الحكومة الإنكليزية لوطنها؛ لأن أكثر أهله من طائفة

الكاثوليك، وكلهم نصارى.

إذن كان من أكبر تقصير مسلمي مصر وإهمالهم وتوكلهم أن لا يكون لهم

جريدة إسلامية سياسية، أو عدة جرائد إسلامية سياسية أو غير سياسية، وقد كان

فقيدنا اليوم هو الذي أزال هذه النقص، والفضل الأكبر فيه له، ومما ينتقد على

القطر كله أنه لم يستطع إيجاد شقيقة أخرى للمؤيد، بل مرض المؤيد بما أصاب

مؤسسه من الأمراض الجسدية والنكبات المالية، وخيف عليه السقوط على قوة

أساسه، ونور نبراسه، ولم تظهر الكفاءة من أحد لإنشاء مثله، وأسست له شركة

فلم تستطع الاضطلاع بأمره، وإنما كان أعضاء شركته كغيرهم يرجون أن يعود

إلى ما كان عليه بعودة الصحة إلى مؤسسه، فلما وقع قضاء الله تعالى شعروا وشعر

جميع أهل الرأي والغيرة بوجوب العناية به، كما يليق بمكانته وأفقه، وهذا هو

موضوع حديثهم وهمهم اليوم.

لا يمكن أن تحل محل المؤيد جريدة أصحابها وكتابها من غير المسلمين، ولا

من المسلمين المتفرنجين، بل لا بد أن يكون الروح المدبر لمثل هذه الجريدة كروح

من فقدنا اليوم، إسلامي قبل كل شيء، بأن تكون تربيته إسلامية وعنده من

المعارف الإسلامية والوقوف على حال العصر ما يعرف به كيف يحافظ على

مصالح أمته الملية، من غير إخلال بالحقوق العامة والمنافع الوطنية، ليعرف كيف

يدبر السفينة في مهاب العواصف الاجتماعية والسياسية التي تمس الدين ومصالح

أهله، كالعاصفة التي هبت منذ بضع عشرة سنة على المحاكم الشرعية بسعي

بطرس باشا غالي فكادت تقوض بناءها المعنوي، وكعاصفة القبط التي أرادوا بها

أن يأتوا على ما آخر ما بقي للمسلمين من شيء في حكومة هذه البلاد، حتى شعائر

الجمعة والأعياد، وكعاصفة متفرنجي المسلمين الذين يدعون إلى فرنجة النساء،

وهتك ما بقي من آثار العفاف والصيانة والحياء، باسم تحرير المرأة وتمدينها،

وترقية الأمة وتعليمها، وكالعاصفة التي أثارها بعض أهل الأهواء من المسلمين

لمقاومة مشروع الدعوة والإرشاد، فهل يرجى أن يدير سفينة المصلحة الإسلامية

في مهاب أمثال هذه العواصف مسيحي مهما كان محبا للبلاد وأهلها، أو متفرنج

جاهل بحقيقة الإسلام يصدق عليه المثل: صديق أحمق شر من عدو عاقل؟

ألا إنه قد علم المسلم وغير المسلم أنه لم توجد في مصر جريدة سياسية

إسلامية بحق إلا جريدة المؤيد، وإن وجودها ضروري من الضروريات، لا من

الحاجيات أو التحسينات، نعم وجدت صحف للمسلمين ولكنها غير إسلامية المشرب

والسياسة. وقد أكثر بعضها الجعجعة باسم الإسلام والمسلمين، وأظهرت الغلو في

التشنيع على المعارضين والمخالفين، تحاول بذلك أن تميت المؤيد وتحل محله،

وإنما تلك نزعات أهواء، ومظاهر سمعة ورياء، وكان أمثلها جريدة اللواء، وأين

اللواء من المؤيد:

وأين الثريا وأين الثرى ... وأين معاوية من علي

ما كان اللواء إلا إعلانا لوطنية صاحبه وشاعرا يطريه في كل عدد، على

حين تمر السنة والسنين ولا ينشر في المؤيد شيء في تعظيم صاحبه، اللهم إلا في

الحوادث التي يكتب فيها شيئا يكون شديد الوقع في البلاد، فيحبذه الناس بالبرقيات

والرسائل، ويرى أن في نشرها بيانا لرأي الجمهور في موضوعها، ولا يصده عن

النشر كونه هو الموضوع أو كون الموضوع يتضمن الثناء عليه، فالفصل بين

المؤيد واللواء أن المؤيد جريدة المصلحة العامة للدين والدولة ومصر وأميرها،

على قاعدة أن مصلحة مصر مرتبطة بسلطة أميرها، وأما اللواء فهو وإن أنشئ

محاكاة للمؤيد؛ لأن صاحبه تربى في حجر صاحب المؤيد، لم يكن إلا جريدة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٨٣