بالأدب ونظم الشعر، وفي السنة الخامسة مل الطلب، وجنحت نفسه لما هي
مستعدة له من العمل، فأنشأ مجلة الآداب بالاشتراك مع الشيخ أحمد الماضي، ثم
استبدلا جريدة المؤيد بمجلة الآداب سنة 1307 ثم استقل الفقيد بها بعد ذلك، فرباها
بعزمه وحزمه وثباته وذكائه، وربته بما أدخلته فيه من الحوادث السياسية والمدنية،
وما جعلت له من الصلة بكبار رجال الحكومة وسمو الأمير والتعاون مع كبار
الكتاب والمفكرين، فلولا صبر الشيخ علي وثباته وفطنته لما قوي المؤيد على ما
لقيه من المقاومة وتحامل الاحتلال والأجانب وناهيك بنفوذهم في مصر، ولولا
المؤيد لما كان الشيخ علي ذلك السياسي المحنك والكاتب القدير، فإنه لم يتعلم
الكتابة والسياسة في بني عدي ولا في الأزهر، وما ثم من كتابة ولا سياسة، فظهر
بهذا أن الرجل قد نبغ بأخلاقه وسجاياه التي دفعته إلى الإقدام على العمل، وأقدرته
على مصارعة الحوادث، ومقارعة الحوادث، حتى صار أشهر رجال السياسة في
قومه، وأقدر كتابها في وطنه، وعرف اسمه الشرق والغرب، فتقدم إلى الأمام،
وتخلف أصحاب الشهادات العالية في العلوم القديمة والحديثة فصاروا وراءه في هذا
الميدان، فبهذا يعلم القارئ أن الرجل دخل في عالم العمل وهو لا يحمل من آلاته
الصناعية والفنية شيئا يذكر، ولم يمنعه ذلك أن يبذ حاملي أحدث الآلات الصناعية
والفنية، وإنه خاض معامع الجلاد في الجدال وهو أعزل، فجدل فرسانها المدججين
بأمضى أسلحتها الحديثة هذا وما ... فكيف لو ...
كانت الصحافة المصرية قبل المؤيد وقفا على السوريين المسيحيين،
والسوري من أقدر الناس على الاصطباغ بصبغة الوطن الذي يهاجر إليه، وعلى
خدمته للعلم والأدب والسياسة فيه كما يخدم في وطنه. فإذا هاجر إلى أوربة يقدر
أن يكون أوربيا، وإذا هاجر إلى أمريكة يقدر أن يكون أمريكيا، فأجدر به أن يكون
مصريا في مصر التي يصح أن تسمى وطنا أصليا له؛ لأنه يشارك أهلها في اللغة
وأكثر العادات؛ لقرب الجوار وكثرة الاختلاط، وناهيك بهما وبمكانتهما من
مقومات الأمم وروابط الجنسيات، لهذا كانت خدمة أكثر السوريين الذين اشتغلوا
بالصحافة مرضية عند المصريين، ولولا ذلك لما نجحوا وعاشوا هذه العيشة
الراضية، وصار بعضهم صاحب ثروة واسعة. بل أقول: إن أكثر الصحف
السورية ومديريها ومحرريها قد صادفوا في مصر قبولا ومساعدة من جمهور الأمة
وهم المسلمون، وما نجح من نجح منهم إلا بمساعدة الأمة برضاها واختيارها،
اللهم إلا المقطم فإنه أنشئ مشايعا للاحتلال الإنجليزي، فكره ذلك منه المسلمون
فكان نجاحه بنفوذ الاحتلال والحكومة المصرية، مع قدرة أصحابه وبراعتهم،
وسعة علمهم واختبارهم وما شعر المسلمون بشدة حاجتهم إلى جريدة وطنية إسلامية
إلا بعد ظهور المقطم بهذه السياسة، وإن كانت مصبوغة بصبغة وطنية، تحاول
إقناع المصريين بأن كل ما ترمي إليه هو الموافق لمصلحة مصر في هذه العهد أو
الطور الذي دخلت فيه، وإذا جاز إقناع بعض الناس بأن هذا صواب في الجملة،
فلا يمكن إقناعهم بأن كل ما يحاول الإنجليز عمله في مصر إما موافق لمصلحة
المصريين، أو يجب سكوتهم عليه وإن لم يكن موافقا لمصلحتهم، وهو ما كانت
تدور عليه سياسة المقطم.
ظهور المقطم في وقته كان طبيعيا، وظهور المؤيد وقيامه بمعارضته كان
ضروريا، وقد كانت جريدة الأهرام معارضة للمقطم في سياسته الاحتلالية،
ولكن ذلك لم يكن مغنيا للمصريين المسلمين عن إنشاء جريدة تشعر بشعور الأمة
الإسلامية وتعبر عن رأيها ووجدانها من كل وجه، ومهما صدقت وطنية المخالف
للأمة في دينها، وأخلص في خدمتها، فإنه لا يمكنه أن يشعر بشعورها، ويدرك
كنه مصالحها، ويغار عليها كغيرتها، فكيف إذا كان مبلغ صدقه لها لا يعدو صدق
الصانع الأمين الذي يجيد الصنعة على قدر الأجرة.
هذا وإن للدين دخلا كبيرا في المصالح السياسية والوطنية لا ينكره إلا جاهل