بعد هذا البيان يا سيدي الأستاذ اسمح لي أن أتطرق للكلام على النقطة
الأساسية التي حركتني لتحرير هذا الكتاب، ونبهتني إليها مقالة خدمة المسألة
المصرية في إنجلترا السالفة الذكر، فأقول: إن مجلة التيمس الإفريقية ليست مجلة
سياسية محضة بل لها أغراض ومرام أعلى من ذلك أهمها خدمة السلام العام وإزالة
سوء التفاهم بين الغرب والشرق وقتل روح التعصب الأعمى للدين أو اللون،
وبالاختصار هي تعمل جهدها لإحلال الوئام وحسن التفاهم بين جميع شعوب
الأرض، وأظن سيادتكم تعلمون أنه يوجد في إنجلترا خاصة وأوروبا عامة من
الآراء السخيفة عن الدين الإسلامي ما يدهش له كل من يعتقد في الأوربيين حب
التحقيق والتسامح، ولست أدري والله ما هي ذمم أولئك المؤلفين الذين نقلوا إليهم
هذه المعتقدات الساقطة التي يبرأ منها الإسلام والمسلمون وأفهموهم أن العادات
والخرافات القبيحة الملتصقة بالشعوب الإسلامية الحاضرة كما التصقت من قبل
بالشعوب المسيحية بسبب الجهل - سنة الله في أرضه - هي جزء من الدين
الإسلامي، وكيفما كان الباعث لأولئك الكتاب على نشر هذه الأباطيل، فالحقيقة
المرة أن جذورها لا تزال ثابتة حتى الآن ولم يقتلع إلا شيء ضئيل منها بهمة أمثال
العلامة السيد أمير علي الهندي والأستاذين الكبيرين أرنلد وبراون، على أن حزب
هؤلاء الأفاضل المحققين المصلحين لايزال صغيرا لايعتد به ولا تزال
القوة العظمى في أيدي السير هري جونستون والمستر نويل بكستون ومن على
شاكلتهم ممن لا يحركهم غير التعصب الذميم وعداء ما يجهلون.
والخلاصة أن كل مسلم في هذه البلاد لا يجد من أهلها وأستثني الأقلية
الضئيلة التي تعرف التسامح ولا تفهم الدين فهما معكوسا كما أستثني الأفراد القليلين
الذين بحثوا بأنفسهم وعرفوا مزايا الدين الإسلامي وحسناته الواضحة لكل ذي عقل
سليم، لا يجد من أهلها غير ازدراء به وترفع عنه يرجع بعضه إلى التعصب للون
ويرجع البعض الآخر لاحتقار دينه البربري، ومهما حاول مناقشتهم وإبلاغهم مقر
الحقيقة لا يرى منهم إلا ابتعادا وتفسيرا لمناقشته بأنها مغالطة لا يوافق عليها علماء
الإسلام. وإن الباعث له على تفسيره المقبول وبيانه المعقول الذي يعتبر مغالطة هو
شعوره بسقوط دينه وإيثاره الدفاع عنه بما اكتسبه من المعلومات الغربية عن
الاعتراف بذلك السقوط.
ومن هذا ترى يا سيدي المفضال أنه لم تبق وسيلة لتبديل هذه الحال العجيب
إلا بتسابق علماء الإسلام المستوطنين في البلاد الشرقية، وسيادتكم في مقدمتهم،
إلى دحض هذه المفتريات في الصحف الأوربية ذاتها، ولا أنسب من جريدة التيمس
الأفريقية ومجلة الشرق، لعل من ذلك ما يكفي لإخراس ألسنة الأفاكين ورفع
رءوس جميع المسلمين المقيمين في أوربة الذين لا يقبل دفاعهم عن دينهم بحجة
أنهم إنما يكتبون متأثرين بالمدنية المسيحية.
وليس غرضي أن أشير بفتح باب مناقشة دينية عنيفة ومجادلة خصوم الدين
الإسلامي بشكل منفر كالذي اعتاده أغلبهم؛ لأنه بغض النظر عن قلة الحذق في ذلك
فالمجلة المشار إليها التي غرضها سياسي التوفيق لا التفريق وخدمة الحقيقة بوجه
عام لا يمكن أن ترحب بكتابة على تلك الصورة، ولكنها ترحب على ما يظهر لي
مما نشر من قبل فيها بكل كتابة أساسها التسامح والتحقيق وحب التوفيق، ولا شك
أن هذا المبدأ مما يرتاح إليه أئمة الإسلام الذين نحتاج إلى بياناتهم النزيهة لتنوير
الرأي العام الأوربي في كثير من المسائل التي شوهت لديه، وأخص بالذكر مسألة
المرأة المسلمة فإن الفكرة السائدة هنا هي أن المرأة المسلمة لا حقوق لها، تباع
وتشترى كبيع السلع، ومقيدة بكثير من الأغلال والقيود التي لا يمكن أن تتفق مع
الحضارة الصحيحة ومبادئ الإنسانية.
هذا ويحسن أن أذكر هنا ما قرأته في التيمس الأفريقية من أنها مستعدة لقبول