تكمن النار في الحطب، وقد هب من سباته ليسترد القوة التي سلبت منه؛ لأن
الجنسية المسلوبة الحقوق لا تقيم على الضيم إلى الأبد إلا إذا ضعفت حيويتها
وقضى الناموس الطبيعي عليها بالموت، يغير شعب نشيط على بلاد فيفتحها عنوة
ويستولي على أهلها ويستبد بأحكامها إلا أنه إذا لم يكن له قوة كافية يوهن بها
المغلوب ولم يمح لغته بقي دائما في خطر من القيام عليه.
وإذا كان المغلوب أكثر منه عددا قد يطرده من البلاد أو ينزع السلطة منه
ويرغمه على إنكار جنسيته.
وأما في المهاجر فتغلب القوة بطريقة لا تبعد عن طريقة الفتح؛ لأن
المهاجرين إذا كانوا أقوياء وكثيرين طردوا السكان الأصليين وحلوا محلهم، وإلا فإما
أن ينكروا جنسيتهم ويندمجوا في جنسية البلاد أو أن يرحلوا عنها ويطلبوا مهجرا
يستقلون به ويحافظون فيه على جنسيتهم.
وعلى ذلك يكون أفضل حل لتنازع الجنسيات إما الإدماج والاندماج؛ وإما
الفصل والانفصال، وكلاهما لا يتمان إلا بالقوة، والشواهد على ذلك كثيرة في
التاريخ القديم والحديث.
هذه هي مسألة الجنسيات في نظر بعض علماء الاجتماع هي الفصل الأخير
من فصول المأساة التي بدأ تمثيلها منذ بدء المهاجرات أو بعدها بمدة، وكانت
الفترات بين الفصول طويلة إلا أنها لا تطول إلى الأبد، فقد أرخى الستار على
المشهد الأخير ليحضر بعده مشهد من أشد المشاهد هولا تمثل فيه معارك عنيفة بين
الحق والقوة وتنتهي بانتصار القوة.
لا يوجد ناموس في الدنيا يحظر على الكائن الحي الاحتفاظ بشروط كيانه ولم
يوجد في الدنيا من قال للأسد وهو يفترس خروفا: تخل عن هذا الخروف؛ لأن
الأسد يقبض على الخروف بدافع يدفعه إلى ذلك، وهذا الدافع هو الحق الذي يخوله
افتراسه، على أن للخروف أيضا حقا بأن يقتل الأسد إذا استطاع إلى ذلك سبيلا.
فالحق والقوة يجتمعان في حالة الدفاع عن الحياة أوفى ما كان بأهميتها، والشريعة
المدنية نفسها تخول الإنسان حق الدفاع عن نفسه أي تجيز له في بعض الظروف أن
يدافع عن حقه بالقوة، والحرب ليست إلا دفاعا بالقوة عن الحق للأمة. يرى شعب
أن شيئا يلزم لحياته أو لكمالياته فيمد يده إلى ذلك الشيء ويكون حقه به كحق الأسد
بالخروف وصاحب ذلك الشيء يمنعه من أخذه أي يستعمل القوة للدفاع عن حقه
وليس للمغلوب منهما أن يشكو بل عليه أن يستعد لاستئناف القتال في المستقبل.
وإذا غلب أيضا وحكم عليه بالانكسار إلى الأبد وجب أن يرضى بما حكمت عليه
الطبيعة، وأن يعلم أنه خروف وليس أسدا فيطبق أحواله الحيوية على أحوال
الخروف لأنه لا يستطيع أن يحارب الطبيعة التي لم تلده أسدا.
للأمة التي تسلب لغتها منها حق شرعي بالدفاع عن أثمن ملك لها وإذا لم يكن
لها قوة كافية للاحتفاظ بهذا الملك سقط حقها به. وللأمة السائدة حق بالاحتفاظ
بشرف لغتها وبمنع كل امتياز يضر بها أو يضعف أهميتها وإذا لم تستطع أن تؤيد
حقها هذا بالقوة وجب أن تذعن لمطالب الأمة المسودة فتساويها بحقوقها وتتنازل عن
سلطتها المطلقة وتحتفظ بما يستطاع من السيادة؛ لأنها إذا كانت شرطا لازما لحياتها
أصبح زوالها قاضيا عليها بالموت لا محالة.
لا يتوهمن أحد أني أرمي في هذا البحث إلى غاية مخصوصة أو أن أعني فيه
أمة مخصوصة؛ إذ لا غرض لي بالسياسة ووجهتي فيه الوجهة العلمية الاجتماعية
فألم بالمسألة من كل أطرافها وأطلقه على كل الجنسيات المختلطة على الألمان في
النمسا وبوهيميا وعلى الدنماركيين في الشلسويك الشمالية والبولونيين في بوزن
والرومانيين في ترانلسلفانيا والطليان في الترانتين ولا أستثني العرب في تركيا،
فالخمسة الملايين من المجر لهم الحق أن يحولوا إلى مجر الأحد عشر مليونا
المغايرين لهم الذين في هنكاريا وكأنهم بذلك يستمرون في العمل لاستقرار الفتح
الذي بدأ سنة 884 إلا أن الألمان والسلاف والرومان الذين في هنكاريا لهم الحق