يعقل معنى الحياة أن يكون مكانه من التركي في هذه المملكة مكان الأخ الشقيق من
أخيه الشقيق، لا يمتاز أحدهما عن الآخر بحق شرعي ولا قانوني، وإنما يتفاضل
أفراد كل من الشعبين بعلومهم وأعمالهم. ويعتقد عقلاء العرب أن بقاء الدولة بدون
هذه المساواة مؤلفة من هذين العنصرين محال، وإذا هما افترقا، لا قدر الله، فالله
وحده هو العليم بالمآل.
فإذا كان إخواننا هؤلاء لا يريدون أن يفهموا هذه الحقيقة، وإن أودوا بنا
وبأنفسهم فنبذوا الجميع في هاوية الدمار، فإن الشعب العربي قد عرفها، وهو يريد
الحياة ويجاهد في سبيلها، بمنتهى ما عنده من القوة والجلد والحزم، فمن العبث أو
من الخطأ الموجب لتنافر القلوب وتجافيها أن يحال بينه وبين الإصلاح الذي يطلبه
لنفسه ولأوطانه، والقوة التي ينشدها لحفظ حياته، وبقاء الدولة التي يحترم وجودها.
وبما أن الواسطة لترقي هذه الأمة وسلامتها هو أن يكون لها حق الإشراف
على مرافق بلادها، وحق المشاركة في إدارة مصالحها، وحق التعليم والتعامل
بلغتها، وهذا لا يتأتى بغير الإدارة اللامركزية فقد رأى عقلاؤها والمفكرون فيها
وجوب السعي لنيل هذا النوع من الإدارة بكل الوسائل الممكنة، وبما أنه ما من
عاقل من أبناء العرب يطلب شيئا فوق اللامركزية الإدارية التي تضمن له الحكم
الذاتي من جهة وبقاء الرابطة السياسية بالدولة العثمانية من جهة أخرى، بناء على
ذلك كله، تدعو اللجنة العليا لحزب اللامركزية كل الجمعيات العربية وكل العقلاء
من أفراد هذه الأمة الكريمة إلى توحيد الكلمة والوجهة والغاية ومؤازرتها فيما تدعو
إليه من المطالب العامة الموافقة لمصلحة الجميع، ومتى نلنا هذه الأصول العامة
تبعها بالسهولة ما يطلبه بعضهم لبعض الولايات خاصة، على أن أنصارها والقائلين
بصحة مبدئها في سائر أنحاء البلاد العربية كثيرون ولله الحمد، بل هم جماهير أهل
الرأي والغيرة والإخلاص، لا كما يغش رجال الدولة طلاب المنافع والمناصب
بالتملق والدهان، وستعلم حكومتنا أن الأمة العربية متحدة متكافلة، تردد صوت
طلاب الإصلاح اللامركزي في كل مكان، وعسى أن تقنع بالآية التي تراها اليوم
فلا تحتاج إلى ما هو أكبر منها من الآيات.
***
مظاهرة العرب السلمية اليوم
في هذا اليوم الذي يصدر فيه هذا المنشور وترى حكومتنا العليا في الآستانة
آية من آيات صدقنا ونصحنا وإخلاصنا لها، في هذا اليوم تهتز أسلاك البرق
وتنبض عروقه بين عاصمة الدولة وجميع الولايات العربية العثمانية والجاليات
العربية العثمانية في الممالك الأجنبية فتشعر حكومة العاصمة بما تفيض به قلوب
العرب العثمانيين في مشارق الأرض ومغاربها، في هذا اليوم تستوي الشمس على
كرسيها من القبة الزرقاء، وفخامة الصدر الأعظم مستو على كرسيه في الباب
العالي، ووفود طلاب اللامركزية من العرب واقفون في إدارات البرق (التلغراف)
في سورية وفلسطين والجزيرة والعراق وفي أوربا وأمريكا يخاطبون فخامته بما
نصه العربي بعد عنوان الخطاب:
قد برهنت الأمة العربية بأقوالها وأفعالها، ومسلك حزبها وجمعياتها وصحفها،
على شدة إخلاصها لدولتها، وحرصها على سلامة السلطنة العثمانية كلها، واتفاق
شعوبها على عمرانها وترقيتها، وقد ثبت لها بالبرهان أن ذلك لا يتحقق ولا تبقى
الدولة وتحيا إلا بالإدارة اللامركزية الواسعة التي يظهر بها استعداد كل شعب من
شعوب الأمة العثمانية فتتبارى في ميدان العلم والعمل، وقد سمعنا عن لسان مولانا
السلطان الأعظم وأركان دولته ما يدل على الرغبة في إجابة الأمة والعرب خاصة
إلى مطالبهم الإصلاحية، فنحن لهذا نسترحم من مقام الصدارة العظمى إعلان وتنفيذ
أحكام اللامركزية الإدارية الواسعة في ولايتنا، وإعطاء الشعب حريته في هيئاته
النيابية وأمور المعارف والنافعة وجميع الشئون الاقتصادية المحلية، واعتبار اللغة