الدائم بين الحكومة والشعب العربي الذي كلما برهنت الحكومة على الثقة به
وتوطين العزيمة على إصلاح حاله زادها إخلاصا، وازداد بإخوانه الأتراك ثقة،
وإلى دوام مشاركتهم في السراء والضراء ميلا.
رضينا منها بدون ما هو طلبتنا من الإصلاح على قواعد برنامجنا ولكنها ويا
للأسف لم ترض حتى بما هو دون المطلوب لنا، ولم تف بما وعدت به خلص
الأمة العربية وعقلاءها الذين نابوا عنها في المؤتمر العربي. إذ هذا المؤتمر كما
تعلم الأمة العربية الكريمة عقد في باريس باسمها، وكانت مباحثه دائرة على منافع
اللامركزية الإدارية وطلبها للبلاد العربية، وإذ كان المؤتمرون فيه يمثلون معظم
الجمعيات العربية والشعب العربي الكريم فقد أوفدت جمعية الاتحاد والترقي التركية
التي هي حزب الحكومة اليوم المتكلم بلسانها مندوبا من قبلها للاتفاق مع أعضاء
المؤتمر على مواد إصلاحية سبق الاتفاق عليها بين الشبيبة العربية وبين مركز
الجمعية في الآستانة تمهيدا لعرضه على المؤتمر، ورأى المؤتمرون أن يبرهنوا
للحكومة وللعالم أجمع على أنهم يريدون الإصلاح ولو أتى تدريجا، وأن من
الإخلاص لدولتهم أن لا يكون على عملهم مسحة من الجفاء، وأن يقبلوا بمواد
الاتفاقية مع بعض التحوير إذا وعدت الحكومة بقبولها وسرعة تنفيذها. ثم وعدت
الحكومة بقبولها إلا أنها لما أعلنت بيانها في الإصلاح جاء مخالفا لنص الاتفاقية من
بعض الوجوه وفيه تغيير ظاهر. ولما صدرت الإرادة السنية على بيان الحكومة
رأينا نص البيان قد تغير أيضا.
ولكي يرى أبناء الأمة العربية الكرام الفرق بين برنامج حزب اللامركزية وما
رضينا به من دونه في اتفاقية باريس، ثم بيان الحكومة لقرار مجلس الوكلاء
المنافي لجوهر الاتفاقية، ثم القرار الذي صدرت عليه الإرادة السنية، ومباينته
للقرار الأصلي - نأتي في هذا البيان على نصوصها جميعا لمقارنة بعضها ببعض
ووقوف الشعب العربي الكريم على ما بينها من المباينة، وإننا مع رضانا بالقليل لم
نحصل عليه.
(وههنا نشر في البيان برنامج حزب اللامركزية، ثم الاتفاق الذي صدق
عليه مؤتمر باريس ثم بيان الحكومة بما قررت قبوله من الاتفاقية، ثم ترجمة
الإرادة السنية بتنفيذ ذلك - وكل هذا قد نشرناه في المنار من قبل ثم عقب البيان
على ذلك بما يأتي) .
* * *
المقابلة بين برنامج الحزب
واتفاقية باريس وما قررته الحكومة
بالمقابلة بين برنامج الحزب والاتفاق الذي صادق عليه مؤتمر باريس يرى
القارئ الكريم الفرق العظيم بينهما، فالبرنامج يتضمن طلب اللامركزية الإدارية
بكل معانيها والاتفاق ليس فيه شيء قليل غامض من مطالب اللامركزية ومع هذا
رضي المؤتمر بمضمون هذا الاتفاق بانيا ذلك على حسن نية الحكومة وعزمها
الأكيد على إجراء الإصلاح على قواعد اللامركزية بالتدريج، فكان من الواجب أن
تثبت الحكومة حسن نيتها للأمة العربية بالمبادرة بتنفيذ مواد الاتفاق لتتأكد الثقة
بينهما ويتعاونا على ترقية البلاد وإحياء قوة الدولة التي كاد يعروها الدثور بسبب
الإدارة السيئة.
ولكن الحكومة لم تفعل ذلك بل أصدرت بيانها الذي رآه القراء الكرام وهو
يباين ذلك الاتفاق من وجوه كثيرة. منها أن ذلك البيان يقول في المادة الرابعة (إن
التعليم في الولايات العربية يكون في المدارس الابتدائية والإعدادية باللغة العربية)
ولكنه نفى ذلك في المادة الخامسة أو الفقرة الثانية من المادة الرابعة بقوله (ولأجل
تعميم اللسان الرسمي يجب المحافظة على المدارس الإعدادية في مراكز الولايات
ودوام التدريس فيها باللغة التركية) .
ومنه أن البيان المذكور لم يترك للولايات سوى تعيين الموظفين الصغار
واشترط معرفتهم التركية مع العربية بحجة أنها اللغة الرسمية مع أن اتفاقية باريس
تقضي بأن جميع موظفي البلاد العربية يعينون فيها ما عدا الرؤساء الذين يعينون