تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أي عمل نافع لها، فصار الأهلون عالة على الأجانب الذين تحتكر شركاتهم منافع

البلاد وعالة على الحكومة التي لا تفتح لهم أبواب موارد الرزق إلا بمقدار، وفقدت

منهم مزايا الجماعات الإنسانية كالاعتماد على النفس والتعاون على المشاريع النافعة

والنظر في وسائل عمران الوطن، بل لا يكاد يوجد أثر من روح الاستقلال

الشخصي في نفوس أفراد العثمانيين فهم ينتظرون من حكومتهم أن تفتح لهم

المدارس للتعليم وتنشئ الملاجئ للفقراء، وتدفعهم إلى كل عمل من أعمال الحياة،

وما ظنك بأسرة نشأت، وهي عالة على ربها لا تطرق بابا من أبواب العمل، ولا

تألف التمرن على أي سبب من أسباب الحياة، ما ظنك بهذه الأسرة إذا قعد يوما

صاحبها عن العمل واستسلم لعوامل الضعف؟ ألا تصبح عرضة للفاقة وتصير إلى

الهلاك المحتم؟

إن حال الأمة العثمانية اليوم يشبه حال هذه الأسرة لاعتمادها في كل شيء

على الحكومة المركزية وفقدانها روح التضامن وروح الاستقلال الشخصي، ولعموم

الجهل بين أكثر الطبقات فيها لأنها لا تملك لنفسها حتى ولا شؤون التعليم فضلا عن

باقي شؤون الحياة.

هذا ما فكر فيه عقلاء العرب وخشوا بعده من مصير قومهم إذا استمر شكل

الإدارة في الحكومة على ما كان عليه من استئثار المركز بالسلطة على كل شيء،

وبهذا ثبت لديهم أن الضعف الذي اعتور الدولة وسرى إلى سائر أجزاء المملكة لا

يمكن تلافيه إذا أريد بقاء الدولة وسلامة استقلالها إلا بأن يناط بأهل كل ولاية النظر

في شئونها الإدارية والتعليمية، أي بأن يكون لها نوع من الحكم الذاتي

الموجود في كل الممالك الراقية اليوم في أوربا وأميركا المعروف باسم:

(Administratire (Decentralisation أي: اللامركزية

الإدارية، الذي يود رجال حكومتنا أن يسموه توزيع السلطة أو توسيع

المأذونية. وعلى هذا المبدأ ولأجل نجاة الوطن والدولة تأسس في مصر حزب

اللامركزية الإدارية العثماني لا لمصلحة الشعوب العربية وحدها بل لمصلحة الدولة

نفسها؛ لأن كل ارتقاء وغنى وقوة تنالها الشعوب العثمانية إنما هو ارتقاء وغنى وقوة

للدولة، وهل للدولة قيام أو وجود إلا بمجموعة هذه الأجزاء التي تتألف منها المملكة

فإذا قويت قويت الدولة والعكس بالعكس؟

ولقد تلقت الأمة العربية وعقلاؤها والمخلصون من أبنائها في كل ولاية نبأ

تكون هذا الحزب بكل ارتياح وسرور؛ لأنهم شعروا كشعور المؤسسين لهذا الحزب

بالخطر المحدق بالأوطان وبالحاجة إلى التمسك بأسباب الترقي الصحيح والنهوض

السريع وأننا صرنا من الحرج إلى حالة لا مخلص لنا منها ولا للدولة التي نود

بقاءها وسلامتها لبقائنا وسلامتنا إلا بانتهاج أقرب الطرق المؤدية للسلامة، ألا وهو

مشاركة الشعب للحكومة في إدراة شؤون البلاد والتوفر على عمرانها وارتقاء أهلها.

لم يشذ عن مشاركتنا بهذا الشعور بفضل الله إلا أفراد من عباد المنفعة في

الأمة العربية وآخرون يقادون إلى مفتريات هؤلاء مكرهين بزمام الحاجة إليهم، أو

التقليد لهم على غير علم، وهؤلاء متى حصحص لهم الحق كانوا إليه أميل،

وبأنصاره ألزم، وإذن لا يكون هناك أدنى ريب في أن سواد الأمة العربية الأعظم

وعقلاءها وذوي الرأي فيها مجمعون على استحسان مبدإ اللامركزية وأيقنوا بأنه خير

وسيلة للنجاة والنجاح، وهذه حقيقة وإن عرفتها الحكومة المركزية تحاول أن

تتجاهلها ولا تعطي الأمة العربية ما تريده لأجل حياتها ولأجل دولتها أيضا.

إننا لا يجوز لنا أن نرتاب في نية الحكومة ومقاصدها إذا أقامت الدستور، إذ

ما من حكومة دستورية في العالم تأبى ترقي الشعب وراحته، إنما نرتاب في فهم

هيئتها الحاضرة معنى اللامركزية التي ينشدها طلاب الإصلاح ومقدار إخلاص

هؤلاء لدولتهم ووطنهم، مع أننا أثبتنا للحكومة أننا لسنا طلاب عنت بل طلاب

إصلاح، بأن رضينا منها بدون ما هو وارد في برنامج حزبنا تمهيدا لسبيل الوفاق

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٦٦