تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والشام ومصر جماعات قليلة منهم يغلب عليهم الاعتدال.

وأما السواد الأعظم من معظم البلاد الإسلامية فعلى مذهب الأشعري أعني ما

يدعي أنه مذهبه من تلك العقائد المبثوثة في كتب المتأخرين المتداولة، وإلا

فالأشعري قد صرح في كتابه الإبانة [*] بأنه على مذهب الإمام أحمد في الاعتقاد

تصريحا لا شبهة فيه. ولا أدل على مذهب المرء وعقده من كلامه أو ما خطته

يمينه، وسنذكر في آخر البحث ما دعا إلى انتشار مذهب الأشعري، فانتظر.

* * *

(2)

سبب تلقيبهم بالمعتزلة

قال الإمام عبد القادر البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق: كان واصل بن

عطاء من منتابي مجلس الحسن البصري في زمان فتنة الأزارقة، وكان الناس

يومئذ مختلفين في أصحاب الذنوب من أمة الإسلام على فرق:

- فرقة تزعم أن كل مرتكب لذنب صغير أو كبير مشرك بالله، وهو قول

الأزارقة.

- وفرقة تزعم أن صاحب الذنب المجمع على تحريمه كافر مشرك.

- وفرقة تقول: إنه منافق.

وكان علماء التابعين في ذلك العصر مع أكثر الأمة يقولون: إن صاحب

الكبيرة من أمة الإسلام مؤمن لما فيه من معرفته بالرسل وبالكتب المنزلة من الله

تعالى؛ ولمعرفته بأن كل ما جاء من عند الله حق، ولكنه فاسق بكبيرته، وفسقه لا

ينفي عنه اسم الإيمان والإسلام؛ فلما ظهرت فتنة الأزارقة بالبصرة والأهواز،

واختلف الناس في أصحاب الذنوب على ما ذكرنا خرج واصل بن عطاء عن قول

جميع الفرق المتقدمة، وزعم أن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر، وجعل

الفسق منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان، فلما سمع الحسن البصري من واصل

بدعته هذه طرده عن مجلسه فاعتزل عند سارية من سواري مسجد البصرة وانضم

إليه صديقه عمرو بن عبيد، فقال الناس يومئذ فيهما: إنهما قد اعتزلا قول الأمة،

وسمي أتباعهما من يومئذ معتزلة، ثم إنهما أظهرا أقوالهما في المنزلة بين المنزلتين،

وضما إليها دعوة الناس إلى قول القدرية على رأي معبد الجهني. اه. ملخصا.

وذكر ابن خلكان في ترجمة قتادة البصري، أحد كبار علماء التابعين، أن

قتادة دخل مرة مسجد البصرة فإذا بعمرو بن عبيد ونفر معه قد اعتزلوا من حلقة

الحسن البصري، وحلقوا وارتفعت أصواتهم، فأمهم وهو يظن أنها حلقة الحسن،

فلما صار معهم عرف أنها ليست هي فقال: إنما هؤلاء المعتزلة ثم قام عنها. اه.

* * *

(3)

تلقيب المعتزلة بالجهمية

علم مما أسلفنا من حياة جهم وفلسفته أن انتشار آراء جهم وشيوع مسائله بين

أولي العلم ولهج الناس بها كما سبق العصر الذي ظهرت فيه المعتزلة، إلا أنه سبق

قريب، فإن هذه الفرق والنحل الإسلامية كانت تترى يأتي بعضها إثر بعض،

وربما تعاصرت، وقد يخمل بعضها بنباهة بعض، أو تندغم إحداها في الأخرى؛

لما يجمعهما من القول بمسائل تتفقان عليها، ومن ذلك المعتزلة مع الجهمية، فإن

المعتزلة أخذت عن الجهمية القول بنفي الرؤية والصفات وخلق الكلام ووافقتها

عليها، وإن كان لكل فروع واختيارات غير ما للأخرى، إلا أن ما توافقوا فيه من

هذه المسائل الكبيرة جعلهم كأهل المذهب الواحد، فلذلك أطلق أئمة الأثر لفظ

الجهمية على المعتزلة، فالإمام أحمد في كتابه الرد على الجهمية، والبخاري في

الرد على الجهمية ومن بعدهم، إنما يعنون بالجهمية فيه المعتزلة؛ لأنهم كانوا في

المتأخرين أشهر بهذه المسائل من الجهمية، ولكن كان غرض المتقدمين بالرد

والمناقشة الجهمية؛ لأنها الأم لغيرها، والسابقة على سواها في الظهور، بل هي

أول فئة ظهرت في الإسلام بمذهب التأويل، وقام حزبها بالدعوة إلى مذهبها في

ريعان الدولة الأموية كما تقدم، فلذا غلب عند السلف اسمها على غيرها ممن قاربها

وتلقى عنها.

بما ذكرناه يزول الإشكال والاشتباه الذي يراه بعضهم من ذكر الجهمية في تلك

المسائل، مع أنها في عرفهم وما يدرسونه في كتب الكلام المتأخرة، مضافة إلى

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٢٧