تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عن أنفسهم الشنعة بما يقرون في العلانية، فإذا قيل لهم فمن تعبدون؟ قالوا: نعبد

من يدبر أمر هذا الخلق. فقلنا فهذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف

بصفة، قالوا: نعم، قلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تثبتون شيئا، إنما تدفعون

عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون، فقلنا لهم: هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى،

قالوا: لم يتكلم ولا يتكلم؛ لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة، والجوارح عن الله منتفية

، وإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد الناس تعظيما لله، ولا يعلم

أنهم إنما يقودون بقولهم إلى ضلال.

وقال أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات والإبانة: الذين نفوا صفات رب

العالمين، وقالوا: إنه لا علم له ولا قدرة ولا سمع ولا بصر، إنما أخذوه عن

إخوانهم من المتفلسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعا لم يزل ليس بعالم ولا قادر ولا

سميع ولا بصير، غير أن هؤلاء لم يستطيعوا أن يظهروا ما كانت الفلاسفة تظهره

فأظهروا معناه، وقالوا: إن الله عز وجل عالم قادر سميع بصير من طريق التسمية

من غير أن نثبت له علما أو قدرة أو سمعا أو بصرا، وقد أفصح بذلك رجل يعرف

بابن الأباري كان ينتحل قولهم، فزعم أن البارئ تعالى عالم قادر سميع

بصير في المجاز لا في الحقيقة.

وهذا القول وهو قول الغالية النفاة للأسماء حقيقة هو قول القرامطة الباطنية،

ومن سبقهم من إخوانهم الصابئة الفلاسفة.

والدرجة الثانية من التجهم هو تجهم المعتزلة ونحوهم الذين يقرون بأسماء الله

الحسنى في الجملة لكن ينفون صفاته، وهم أيضا لا يقرون بأسماء الله الحسنى كلها

على الحقيقة، بل يجعلون كثيرا منها على المجاز، وهؤلاء هم الجهمية المشهورون.

والدرجة الثالثة هم الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية، لكن فيهم نوع من

التجهم كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة، لكن يردون طائفة من أسمائه

وصفاته الخبرية وغير الخبرية ويتأولونها، كما تأول الأولون صفاته كلها. ومن

هؤلاء من يقر بصفاته الخبرية الواردة في القرآن دون الحديث كما عليه كثير من

أهل الكلام والفقه وطائفة من أهل الحديث ومنهم من يقر بالصفات الواردة في

الأخبار أيضا في الجملة، لكن مع نفي وتعطيل لبعض ما ثبت بالنصوص

وبالمعقول، وذلك كأبي محمد بن كلاب ومن اتبعه.

وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري وطوائف من أهل الفقه والكلام

والحديث والتصوف، وهؤلاء إلى أهل السنة المحضة أقرب منهم إلى الجهمية

والرافضة والخوارج والقدرية، لكن انتسب إليهم طائفة هم إلى الجهمية أقرب منهم

إلى أهل السنة المحضة، فإن هؤلاء ينازعون المعتزلة نزاعا عظيما فيما يثبتونه

من الصفات أعظم من منازعتهم لسائر أهل الإثبات فيما ينفونه.

وأما المتأخرون فإنهم والوا المعتزلة وقاربوهم أكثر، وقدموهم على أهل السنة

والإثبات وخالفوا أوليهم ومنهم من يتقارب نفيه وإثباته، وأكثر الناس يقولون: إن

هؤلاء يتناقضون فيما يجمعونه من النفي والإثبات. اه. [1]

***

البحث الثاني في المعتزلة وفيه مطالب:

(1)

التعريف بالمعتزلة

هذه الفرقة، كفرقة أهل السنة والجماعة، من أعظم الفرق رجالا، وأكثرها

تابعا، فإن شيعة العراق على الإطلاق معتزلة، وكذلك شيعة الأقطار الهندية

والشامية والبلاد الفارسية، ومثلهم الزيدية في اليمن، فإنهم على مذهب المعتزلة في

الأصول، كما قاله العلامة المقبلي في العلم الشامخ، وهؤلاء يعدون في المسلمين

بالملايين، بهذا يعلم أن الجهمية المعتزلة ليسوا في قلة، فضلا عن أن يظن أنهم

انقرضوا، وأن لا فائدة للمناظرة معهم، وقائل ذلك جاهل بعلم تقويم البلدان

ومذاهب أهلها.

أما البلاد المنتشر فيها مذهب السلف الأثرية خاصة في العقائد، فهي بلاد نجد

بتهامها، فإنها سلفية الاعتقاد، لكن يغلب عليهم الجفاء، والغلو، وفي بلاد الهند

طوائف سلفية داعية إلى مذاهب السلف بنشر كتبه ودرسها. وفي العراق والحجاز

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٢٦