(5) حاشية: هذا لا يدل على أنهم كانوا يعتقدون ألوهية حقيقية؛ لأنهم يقولون: إن ذلك مما أعطاه الله إياه كالقدرة على الخلق وغيره انظر (يو 14: 24 و5: 30) وقال يوحنا أيضا (3: 35) :
(الأب يحب الابن وقد دفع كل شيء في يده) وهو صريح كما قلنا مرارا في أن الله هو الذي أعطاه كل شيء فهو عند كتاب العهد الجديد ليس إلها لذاته فإن قيل: لعل هذا القول في الابن باعتبار الناسوت، قلت: إن هذا الناسوت باعتراف النصارى عاجز جاهل كباقي البشر وليس في يده شيء وهو أيضا حادث، ولم يخلق شيئا من العالم، وإنما الذي في يده بزعمهم، كل شيء وخلق العالم (يو 1: 3) هو الله الابن وهذا بنص الإنجيل لم تكن له القدرة من ذاته بل الله هو الذي دفعها له كما قال يوحنا وغيره انظر (أع 2: 22 وأف 1: 22 و1 كو 15: 27 و28 ومتى 11: 27) فكيف إذا يكون إلها حقيقيا مساويا للأب في كل شيء كما يزعمون؟ .
(6) هذا مع انحطاط الوسط الذي نشأ فيه محمد صلى الله عليه وسلم من أكثر الوجوه عن الوسط الذي نشأ فيه المسيح حيث كانت توجد شرائع اليهود وكتبهم الدينية وآداب اليونان والرومان وكتبهم العلمية والفلسفية وغيرها، وأما أهل مكة والعرب عموما فكانوا وثنيين جاهلين منغمسين في الشهوات كالخمر وحب النساء وفي سفك الدماء ووأد البنات والسلب والنهب والأذى والقسوة وفاقهم محمد جميعا بدرجات عالية منذ صغره، وكان مثال الكمال بينهم في كل شيء، وأما المسيح فلا نعلم في أي شيء فاقه قومه بحسب هذه الأناجيل وجميع تعاليمه الحسنى توجد في كتب اليهود وغيرهم من قبل كما بينه كثير من علماء الإفرنج أنفسهم كما ذكرنا آنفا، (راجع ص 118 - 120) من هذه الرسالة نعم نحن لا ننكر أنه نشر في هذه التعاليم العالية بين عامة اليهود علما وعملا بعد أن كانت في كتبهم لا يقرؤها إلا بعض خاصتهم ويندر وجود من يعمل بها كلها منهم ولذلك قال تعالى فيهم: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا) (الجمعة: 5) وبسبب عيسى صلى الله عليه وسلم انتشرت بين العامة والخاصة حتى عرفت في العالم الروماني كله واشتهرت بين الناس إلى اليوم، ولكنها مشوبة بشوائب كثيرة حاول بعضهم كالفيلسوف تولستوي تجريدها منها.
(7) مقتضى هذه التعاليم (مت 6: 25 - 34 ولو 12: 22 - 31) أن لا يهتم الإنسان بشيء من حاجاته الجسدية من مأكل وملبس ومشرب ومسكن وأن يهملها كلها، وعلى ذلك تكون قذارة الثوب ورثته ووساخة الجسد والمسكن وفساد هوائه والفقر من المستحبات ودلائل التوكل والإيمان في المسيحية، فمن من النصارى يعمل بهذه الأوامر؟ وإذا عملوا بها فكيف تكون حالتهم الصحية؟ وهل هذه التعاليم تساعد على الاكتشافات والاختراعات وترقي العلوم الطبية والهندسية والاجتماعية والاقتصادية والنظامات الدستورية وغيرها من علوم العمران والحضارة والمدنية الاجتماعية؟ وما حاجة الناس إلى هذه العلوم إذا وإهمال الجسد والذل والفقر والكسل عن كل عمل دنيوي من أعظم دلائل الفضيلة والطاعة والإيمان والتوكل على الله بحسب الأناجيل؟ وهل اتهام متعصبي النصارى الإسلام بأنه هو السبب في قذارة المدن وفساد هوائها وضعف صحة أهلها وخرابها واستبداد ملوكها صحيح أم هو مقتضى تعاليم المسيحية التي أخذ بها متصوفوا المسلمين ثم عمتهم كلهم حتى أصبحوا أشد تمسكا بها من أهلها الذين أهملوها ألبتة حتى ضرب بينهم وبينها بسور من حديد كما هو مشاهد في كل زمان ومكان، قارن عبارات كتبهم هذه بقول القرآن: (قل انظروا ماذا في السموات والأرض) (يونس: 101) وقوله: (وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون) (يوسف: 105) وقوله: (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه) (الجاثية: 13) الآية، ونحو ذلك كثير سنذكر بعضه، وقول المسيح بحسب رواية لوقا (12: 22 - 31) : ولا تهتموا لحياتكم بما تأكلون ولا للجسد بما تلبسون تأملوا الغربان إنها لا تزرع ولا تحصد وليس لها مخدع ولا مخزن والله يقيها، كم أنتم بالحري أفضل من الطيور فلا تطلبوا أنتم ما تأكلون وما تشربون ولا تقلقوا بل اطلبوا ملكوت الله وهذه كلها تزاد لكم، فضلا عما فيه من الحض الصريح على ترك السعي والعمل والجد والاجتهاد في الدنيا، هو أيضا غير صحيح فإن سنة الله في هذا الكون أن الإنسان إذا ترك السعي والعمل خسر كل شيء، ولو طلب ملكوت الله كل يوم ألف مرة لما زيد له شيء من مطالب الحياة إلا إذا أصبح عالة على الناس يحسنون إليه بشيء من كدهم وعملهم حتى إذا ورث شيئا وترك العمل فيه خسره تدريجيا إلى أن يفقده، فإذا اتبع جميع الناس هذه التعاليم أكان العالم يصل إلى ما وصل إليه من الرقي والتقدم؟ وهل ما وصل إليه الإفرنج الآن هو بفضل هذه التعاليم المسيحية كما يدعي المبشرون؟ ومن منهم يعمل بها إلا أهل البطالة والكسل أو الشحاذون؟ وهل هذه الأوامر تتفق مع سنن الوجود؟ فليجربها من شاء منهم وليترك الاهتمام والعمل ثم ليرنا أي شيء زيد له من مطالب الحياة؟ .