تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عذره وعذري وسبب تأخيرنا للحج من قبل، فمن ذلك قولي في تفسير قوله تعالى:

﴿ومن دخله كان آمنا﴾ (آل عمران: 97) من جزء التفسير الرابع ما نصه:

إن كثيرا من أمراء المسلمين ونابغيهم يعلمون أن دون أدائهم لفريضة الحج عقبات

سياسية لا يسهل اقتحامها، وقد جاء في صحف الأخبار أن أمير مصر استأذن

السلطان في حج والدته وبعض أمراء أسرته فلم يأذن.

وقد كان الأستاذ الإمام يعتقد أنه إذا حج يلقي بيديه إلى التهلكة، وأنه لا أمان

له في الحرم الذي كان يرى الجاهلي فيه قاتل أبيه فلا يعرض له بسوء. وإن كاتب

هذه السطور يعتقد مثل هذا الاعتقاد، فنسأل الله تعالى أن يحقق لنا ثانية مضمون

قوله تعالى ﴿ومن دخله كان آمنا﴾ (آل عمران: 97) لنمتثل ما فرضه علينا من

حج هذا البيت ... إلخ.

وأقول الآن: قد ظهرت صحة اعتقاد الأستاذ واعتقادنا في هذا في مرض

موته حين قبضت الحكومة الحميدية العثمانية في بيروت على الحاج محيي الدين

حمادة عند عودته من مصر؛ لأنه كان ضيفا له وكانت بنت أخيه زوجا له،

وأخذت أوراقه وحبسته على وجاهته وحسن سيرته وبعده عن السياسة ومذاهبها،

ثم علمنا أن الحكومة كانت ترسل العسكر بعد ذلك ليلا لمراقبة سواحل بيروت وما

يجاورها؛ لأنه بلغها أن الأستاذ يريد النزول فيها.

وكانت هذه الحكومة قبل ذلك وبعده تصادر كل كتاب يدخل المملكة العثمانية

إذا وجد عليه أو فيه اسم محمد عبده أو اسم المنار، أو مطبعة المنار، دع اسم

صاحب المنار، وتمنع أيضا ذكر هذه الأسماء في هذه الجرائد، ويعلم قارئ المنار

في زمن عبد الحميد أنه كان ممنوعا من ممالكه، وأن والدي مات والعسكر يحيط

بداره وكان أخي في السجن؛ لأن المنار وجد عنده، وكانت الحكومة تعاقب كل من

تعلم أنه يقرأ المنار أو يكاتب صاحبه.

والسبب في ذلك كله وسوسة جواسيس السوء للسلطان عبد الحميد بأننا نريد

إقامة خلافة قرشية في الحجاز أو غير الحجاز وكان من هؤلاء الجواسيس مصطفى

باشا كامل.

خلع السلطان عبد الحميد بعد وفاة الأستاذ الإمام فظهر ورثته من الاتحاديين

بعداء للعرب أشد خطرا علينا مما كان من عداء عبد الحميد لنا، جئنا الآستانة

وحاولنا أن نقنعهم بحسن نية العرب ووجوب إنصافهم فلم نستطع. ثم جعلوا

صاحب هذه المجلة من أعدى أعدائهم وذنبه عندهم أنه يدعو إلى النهضة العربية،

فكان قصد الحج في هذه المدة مما يقوي سوء ظنهم، ولا يؤمن معه غدرهم، وقد

صادروا المنار في بريدهم، ومنعوا دخوله لبلادهم، كما فعل عبد الحميد لمثل ذلك

السبب، وقد صار خلفاء مصطفى كامل من زعماء الحزب الوطني وكتاب جرائده

جواسيس لهم كما كان زعيمهم جاسوسا لعبد الحميد، ويتهموننا بما كان يتهمنا به

وفي مقدمتهم محمد بك فريد والشيخ عبد العزيز شاويش، ولكننا دخلنا مع

الاتحاديين الآن في طور جديد يرجى أن تمحى فيه سعاية الجواسيس، فقد اعترفوا

بأننا نطلب حقا وأجابونا إلى بعضه رسميا ووعدوا بالباقي وعدا مؤكدا.

فعسى أن يتم الاتفاق، ويمحو آية الشقاق، ويكون قد ظهر لهم حسن نيتنا

وإخلاصنا نحن وسائر طلاب الإصلاح من قومنا لهذه الدولة، وحرصنا على

تعزيزها وإصلاح شأنها، وهذا ما يظهرونه الآن، وقد بلغونا أن منع المنار قد

ارتفع. ويترتب على حسن نيتهم في العرب رضاهم بعمران الحجاز، وعدم خوفهم

من زيارة طلاب الإصلاح له في النسك وغير النسك، وحينئذ نرجو أن يوفقنا الله

في العام القابل لأداء الفريضة بفضله وكرمه.

* * *

ترك ملوك المسلمين وأمرائهم الأغنياء للحج

سبق لنا في مجلدات المنار السابقة الانتقاد على سلاطين آل عثمان وملوك

إيران وغيرهم من أمراء المسلمين ترك فريضة الحج، ولكن لم يخطر في بالنا أن

أحدا من المسلمين يقتدي بهؤلاء الملوك والسلاطين في ترك هذه الفريضة، وكذلك

الأغنياء المترفون لا يصح أن يكونوا قدوة في ذلك ولا أن يكونوا شبهة من الشبهات

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٠٤