لحمها في مصر من شمالي إفريقية وفي شمال أوربة أيضا، ونحن قد جعلنا حسنات
ديننا سيئات بسوء تصرفنا، فصرنا حجة عليه في نظر الأمم كلها، وهو حجة
علينا عند الله تعالى.
وإذا جاز أن تترك هذه الذبائح وينفق ثمنها فيما ذكر السائل فمن يضمن أن
يقوم الناس بذلك؟ كلا إن هذا شعار لا يقوم غيره مقامه، ولو كان للمسلمين من
الاهتمام بعمران الحرمين وخدمة الحجاج ما أشار إليه لما توقف قيامهم به على
تركهم لهذا النوع من النسك؟
فإن كان في الأنعام التي تذبح هنالك ما يضر لحمه الآكلين، وعرف ذلك
بشهادة الأطباء والعارفين، فالواجب على الحكومة أن تمنع دخول هذا النوع الضار
حتى لا يسوق الناس إلى الحرم من الغنم وغيرها من النعم إلا كل صحيح لا يخشى
منه ضرر.
* * *
العلمان وحكمة حدود عرفة
إذا كان من أركان الحج الوقوف بعرفة وجب أن يكون لعرفة حدود معينة،
وإلا بطل معنى فرضية الوقوف فيها، وهكذا كل عبادة اعتبر في فرضيتها مكان أو
زمان كالطواف والسعي بين الصفا والمروة وصيام رمضان وكون الصيام من طلوع
الفجر إلى غروب الشمس، لا تحصل العبادة لمن خرج عن الحد المكاني أو
الزماني، وأما مسألة القبول فهي شيء آخر: ما كل من أتى بأعمال العبادة الظاهرة
نجزم بأن عمله مقبول عند الله تعالى، إذ يجوز أن يكون مرائيا بعمله غير مخلص
فيه، وإنما يتقبل الله من المتقين المخلصين، ولكن المخلص إذا لم يأت بالعمل الذي
فرضه الله تعالى كما فرضه تعالى بحدوده من زمان ومكان، فلا مجال للقول بأن
عمله مقبول؛ لأن العمل لم يوجد، فمن سعى إلى الحج ولم يدرك الوقوف بعرفة
وراء العلمين اللذين هما أول حد عرفة لم يدرك الحج حتى يبحث في قبول حجه
وعدم قبوله، ومثله مثل من سعى إلى صلاة الجمعة ولم يدرك ركعة منها مع الإمام
لا يقال: إن جمعته مقبولة أو غير مقبولة؛ لأنه لا جمعة له، وإن سعى إليها من
أول النهار مخلصا لله في ذلك، ولكن الله لا يضيع أجر من سعى إلى الحج أو
الجمعة أو غيرهما من العبادات مع الإخلاص فيثيبه على ذلك وإن لم يسقط عنه
الفرض، وكان لا بد في الجمعة من صلاة الظهر في الحج من أدائه تاما في ميقاته.
وقد علم مما ذكرنا أن العلمين حد لعرفة لا حد بين الله والناس، ولا بين الجنة
والنار.
* * *
ترك بعض العلماء لفريضة الحج
الحج فرض على من استطاع إليه سبيلا، وهو على التراخي لا الفور إذا
وجد العذر، والخلاف في المسألة مشهور، ولم يحج رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلا في آخر سنة من عمره، ولكنه اعتمر قبل ذلك. ومن ترك الحج وهو
يستطيع السبيل إليه حتى مات، مات عاصيا لله تعالى. ولا يقتدى به ولا يعد تركه
إياه عذرا لغيره، والسائل يقول: إنه يرى كثيرا من علماء الأمة ومرشديها
المصلحين لم يحجوا، وأنا لا أعرف أحدا من العلماء المصلحين ولا غيرهم من
الجامدين الراضين بحال المسلمين السيئة ترك الحج بغير عذر حتى مات. وقد ذكر
السائل منهم الأستاذ الإمام والسيد الكواكبي - رحمهما الله تعالى - وذكرني معهم.
فأما الكواكبي فهو من علماء الاجتماع والسياسة لا من علماء الدين، وإن كان له
مشاركة ما في الفقه ونحوه لا تنكر، ولا أدري أحج أم لا؟ وأنا ما عرفته إلا في
مصر، ولم يكن ذا سعة فيها، نعم إنه ساح بعد هجرته إلى مصر في جزيرة
العرب ثم عاد إليها، ولكن بمساعدة من بعض الناس، ومن لا يستطيع الحج إلا
بمال غيره لا يجب عليه الحج، ولا أن يقبل تبرع غيره له بنفقته إن هو تبرع.
وأما الأستاذ الإمام فأنا أعلم أنه كان عازما على الحج وقد سمعت ذلك من
لسانه وأنه يريد أن يقيم في المدينة المنورة وما جاورها طائفة من الزمن، ويبحث
عن مواضع غزوات النبي صلى الله عليه وسلم بحثا يستعين به على ما كان ينويه
من الكتابة في تاريخ الإسلام، وتحرير سيرته عليه الصلاة والسلام، وقد بينت