تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الطبري: إنما قال عمر ذلك أي أنه معلوم من الدين بالضرورة؛ لأن

الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام فخشي أن يظن الجهال أن استلام الحجر

الأسود من باب تعظيم الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية، فأراد أن يعلم

الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا لأن الحجر يضر

وينفع بذاته. اه.

فإن قلت: روى الحاكم عن أبي سعيد الخدري أن عمر لما قال ذلك قال له

علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إنه يضر وينفع، وبين ذلك بأن الله لما أخذ

الميثاق على ولد آدم كتب ذلك في رق وألقمه الحجر، وأنه سمع النبي صلى الله

عليه وسلم يقول: (يأتي يوم القيامة وله لسان ذلق يشهد لمن استلمه بالتوحيد)

فالجواب أن هذا الحديث باطل، انفرد بروايته عن أبي سعيد أبو هارون عمارة بن

جوين العبدي، وأهون ما قيل فيه: إنه ضعيف، وكذبه حماد بن زيد، وقال

يحيى بن معين: ضعيف لا يصدق في حديثه، وقال الجوزجاني: أبو هارون كذاب

مفتر، وقال ابن حبان: كان يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديث، وقال شعبة:

كنت أتلقى الركبان أسأل عن أبي هارون العبدي فقدم فرأيت عنده كتابا فيه أشياء

منكرة في علي رضي الله عنه، فقلت ما هذا الكتاب؟ فقال: هذا الكتاب حق،

وقال شعبة أيضا: أتيت أبا هارون فقلت له: أخرج إلي ما سمعته من أبي

سعيد، فأخرج إلي كتابا فإذا فيه: حدثنا أبو سعيد أن عثمان أدخل في حفرته وأنه

لكافر بالله. فدفعت الكتاب في يده وقمت. وأقول: إن طعنه في كل من الصهرين

الكريمين يفسر لنا قول الدارقطني فيه: يتلون خارجي وشيعي.

والذي يظهر لي من كلامهم هذا أنه كان منافقا. فإن قيل يقوي حديثه هذا

حديث ابن عباس عند أحمد والترمذي وغيرهما. قلت: ليس في حديث ابن عباس

أنه ينفع ويضر وإنما فيه أنه يشهد لمن استلمه بحق، فإذا صحت هذه الشهادة مهما

كانت كيفيتها في عالم الغيب فهي لا تدل على أن الحجر الأسود يملك لأحد من

الناس ضرا أو نفعا هو مختار فيه، ولا يطلب أحد من المسلمين منه هذه الشهادة

بألسنتهم ولا قلوبهم فيقال: إن طلبه عادة، وشهادة أعضاء الإنسان عليه يوم القيامة

أصح من شهادة الحجر وليست معبودة بهذا المعنى.

بقي أن يقال: إذا كان الحجر لا ينفع ولا يضر كما قال عمر في الموسم

تعليما للناس وأقره بعض الصحابة عليه. وكان استلامه وتقبيله لمحض الطاعة

والاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما يتبع في سائر العبادات، فما هي

حكمة جعل ما ذكر من العبادة؟ وهل يصح ما قيل من أن النبي صلى الله عليه

وسلم تركه في الكعبة مع أنه من آثار الشرك تأليفا للمشركين واستمالة لهم إلى

التوحيد؟

والجواب: أن الحجر ليس من آثار الشرك ولا من وضع المشركين، وإنما

هو من وضع إمام الموحدين إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم، جعله في بيت الله

ليكون مبدأ للطواف بالكعبة يعرف بمجرد النظر إليها فيكون الطواف بنظام لا

يضطرب فيه الطائفون.

وبهذا صار من شعائر الله يكرم ويقبل ويحترم لذلك كما تحترم الكعبة لجعلها

بيتا لله تعالى، وإن كانت مبنية بالحجارة، فالعبرة بروح العبادة: النية والقصد،

وبصورتها الامتثال لأمر الشارع، واتباع ما ورد بلا زيادة ولا نقصان، ولهذا لا

تقبل جميع أركان الكعبة عند جمهور السلف، وإن قال به وبتقبيل المصحف وغيره

من الشعائر الشريفة بعض من يرى القياس في الأمور التعبدية.

وتعظيم الشعائر والآثار الدينية والدنيوية بغير قصد العبادة معروف في جميع

الأمم لا يستنكره الموحدون ولا المشركون ولا المعطلون، وأشد الناس عناية به

الإفرنج فقد بنوا لآثار عظماء الملوك والفاتحين والعلماء العاملين الهياكل العظيمة

ونصبوا لهم التماثيل الجميلة، وهم لا يعبدون شيئا منها، فلماذا نهتم بكل ما يلفظ به

كل قسيس أو سياسي يريد تنفير المسلمين من دينهم إذا موه علينا في شأن تعظيم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٩٨