تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتونس وسوريا والعراق وغيرها. وهذا كثير من سلاطين آل عثمان الخلفاء

وأمراء البيت السلطاني وأعاظم الرجال من الوزراء والحكام والأغنياء المشار إليهم

بالبنان كلهم لا يحجون ولا يدور في خلد أحدهم أن يحج، فما هو السر في ذلك يا

ترى، وكم عجبنا لما سمعنا بحج أمير مصر قبل سنتين، وكثر تحدث الناس في

ذلك حتى تجرأ أحدهم فقال: إن المقصود من حج العزيز غرض سياسي ورحلة في

جهات الحجاز لا غير، وليس له مقصد في الحج قطعا.

هذا ما وجهناه لحضرتكم ملتمسين التنازل بمجاوبتنا عليه، ولك يا سيدنا

الخيار في المجاوبة أن تكون على صفحات المنار أو كتاب مخصوص، وإذ كانت

في المنار تكون أعم وأنفع، وإن أردت أن تجاوب على بعضها في المنار وبعضها

كتابة مخصوصة فالأمر إليك، ونحن قد اتكلنا بعد الله عليك، ولنا كبير الأمل أن

حضرتك تهدينا إلى سواء السبيل لا سيما وحجنا يتوقف على جوابكم؛ لأنه لا

يخفاك أننا نقصد الحج نطلب الأجر والغفران، لا الإثم والخسران، فأمط لنا - بما

أعطاك الله من سعة العلم - نقاب الباطل عن وجه الحقيقة أدامك الله سراجا يهتدي

به من ضل عن محجة الصواب، والسلام عليك.

4 شعبان سنة 1331 إلى مصر. القاهرة

... ... ... ... ... ... ... ... من المخلص

... ... ... ... ... ... ... ناصر مبارك الخيري

... ... ... ... ... ... ... ... ... بالبحرين

أجوبة المنار

قد سبق لنا القول في مجلدات المنار السابقة عن حكم الحج جملة وتفصيلا،

والانتقاد على ملوك المسلمين وأمرائهم أنهم تركوا هذه الفريضة، وعذر الأستاذ

الإمام رحمه الله تعالى في تأخير هذه الفريضة إلى أن وافاه أمر ربه، وكون عذرنا

عين عذره.

وما نظن أن السائل وأصحابه الذين أشار إليهم قد علقوا حجهم على جواب

هذه الأسئلة، ولعله قال ذلك لنبادر إلى الجواب عنها، وها نحن أولاء نبادر إلى

ذلك، وإن كان لدينا كثير من الأسئلة مقدمة عليها في التاريخ.

* * *

حكمة تقبيل الحجر الأسود

ما ذكره السائل في تقبيل الحجر الأسود قد سرى إليه من شبهات النصارى

والملاحدة الذين يشككون المسلمين في دينهم بأمثال هذا الكلام المبني على جهل

قائليه من جهة وسوء نيتهم في الغالب من جهة أخرى، ومن عرف معنى العبادة

يقطع بأن المسلمين لا يعبدون الحجر الأسود ولا الكعبة ولكن يعبدون الله تعالى

وحده باتباع ما شرعه فيهما، بل كان من تكريم الله تعالى لبيته أن صرف مشركي

العرب وغيرهم من الوثنيين والكتابيين الذين كانوا يعظمونه قبل الإسلام عن عبادته،

وقد وضعوا فيه الأصنام وعبدوها فيه ولم يعبدوه. ذلك أن عبادة الشيء عبارة

عن اعتقاد أن له سلطة غيبية يترتب عليها الرجاء بنفعه لمن يعبده أو دفع الضرر

عنه، والخوف من ضره لمن لا يعبده أو لمن يقصر في تعظيمه، سواء كانت هذه

السلطة ذاتية لذلك الشيء المعبود فيستقل بالنفع والضرر أو كانت غير ذاتية له بأن

يعتقد أنه واسطة بين من لجأ إليه وبين المعبود الذي له السلطة الذاتية، ولا يوجد

أحد من المسلمين يعتقد أن الحجر الأسود ينفع أو يضر بسلطة ذاتية له، ولا أن

سلطته تقريب من يعبد ويلجأ إليه إلى الله تعالى، ولا كانت العرب في الجاهلية تعتقد

ذلك وتقوله في الحجر كما تقول في أصنامها: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله

زلفى} (الزمر: 3) ، ﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ (يونس: 18) وإنما عقيدة

المسلمين في الحجر هي ما صرح به عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند تقبيله،

قال: (إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله

عليه وسلم يقبلك ما قبلتك) . رواه الجماعة كلهم أحمد والشيخان وأصحاب السنن.

وقد بينا في المنار من قبل أن هذا القول روي أيضا عن أبي بكر رضي الله

عنه، وروي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أثر عمر كان العمدة في

هذا الباب للاتفاق على صحة سنده.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٩٧