تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن تمنع عقد المؤتمر في باريس بالرغبة إلى الحكومة الجمهورية في ذلك؛ فلم

تجب فرنسة طلبها هذا، فأوعزت إلى أنصار السلطة في سورية من رجال المال

والألقاب وبعض الكتاب أن يطعنوا برجال المؤتمر وطلاب الإصلاح، فلم يغن ذلك

من شيء، على أنه قد قام به كثيرون من أغنياء سورية كعبد الرحمن بك اليوسف

وفوزي باشا العظم، ومن كتابها كالأمير شكيب أرسلان والشيخ محيي الدين الخياط،

ومن أصحاب الجرائد كطه أفندي المدور صاحب جريدة الرأي العام، وعبد القادر

أفندي المغربي صاحب جريدة البرهان، وكذا جريدة الشعب المصرية التي يحررها

أحداث الحزب الوطني، وقد غلا هؤلاء كلهم في التشنيع على المصلحين، والقدح

في اللامركزيين، وصوروا للناس أن ضياع المملكة واستيلاء الأجانب عليها إنما

يكون بهذا الإصلاح الذي يطلبه المصلحون على قواعد اللامركزية الإدارية، وأن

بقاء الدولة وغيرها إنما يكون بتسليم إدارتها إلى فئة الاتحاديين في الآستانة، وما

يعقده مندوبوهم من الاتفاق مع الدول على بيع أراضيها وامتيازاتها ومنافعها وسائر

ما يقوى نفوذ الأجانب فيها.

بعد هذا كله ثابت الجمعية إلى رشدها ورأت الخير لها وللدولة في إجابة

المصلحين إلى إرضاء العرب والعاقل من استفاد من الحوادث واعتبر، وكان أعقل

شرفاء مكة الشريف علي حيدر مراقبا لسير الحوادث، وله عند الاتحاديين المكانة

العالية، فلما رأى فرصة إصلاح البين سانحة سعى لها سعيها، وجمع بين طلعت

بك الزعيم الأكبر للجمعية في الحكومة وعبد الكريم أفندي قاسم الخليل رئيس

المنتدى الأدبي لأجل ذلك؛ إذ لا يوجد عربي في الآستانة يعرف من حركة النهضة

العربية الإصلاحية ما يعرفه عبد الكريم هذا؛ لأنه سافر في هذه السنة عدة مرات

بين الآستانة ومصر وسورية، وكان مندوب حزب اللامركزية إلى جمعية بيروت

الإصلاحية وغيرها من أفراد وجماعات طلاب الإصلاح، وله بالجميع صلة لم

تنقطع، فأوقف طلعت بك على مقاصد اللامركزيين وطلاب الإصلاح كافة، وعلى

هذا الأساس وضعوا للإصلاح إحدى عشرة قاعدة عهد إلى عبد الكريم أفندي السعي

لموافقة جميع طلاب الإصلاح عليها.

كتبت القواعد ووقع عليها طلعت بك بالنيابة عن جمعية الاتحاد والترقي،

وعبد الكريم أفندي عن جمعية الشبان العرب، وهي جمعية إصلاحية معظم أفرادها

من المتعلمين في مدارس الحكومة، وكان هذا التوقيع تمهيدا لإقناع حزب

اللامركزية وجمعية الإصلاح البيروتية بالاتفاق، وهما ممثلان في المؤتمر العربي

بباريس، رجاء أن يقنع به سائر العرب بعد ذلك.

حمل صورة الاتفاق عبد الكريم أفندي إلى باريس واطلع عليه رئيس

المؤتمر السيد عبد الحميد أفندي الزهراوي وغيره من الزعماء وبعد تنقيح

وزيادة فيها صرحوا بأنهم يرضون أن ترسل جمعية الاتحاد والترقي إليهم وفدا من

ثقات رجالها للمذاكرة للاتفاق عليه، فعاد إلى الآستانة وبلغ، فندبت الجمعية مدحت

بك شكري والحاج عادل بك من ثقات رجالها ليكونوا وفدها إلى المؤتمر العربي

بباريس، فلما أزمعا الرحيل اعتلت صحة عادل بك فسافر مدحت شكري بك ومعه

عبد الكريم أفندي رسول الوفاق والسلام، وبعد المذاكرة والمناقشة تم الاتفاق

على القواعد الاثنتي عشرة الآتية على إبهامها، رجاء الاتفاق على التفصيل

بعد، واقترح زيادة 13 قاعدة عليها لإرضاء وفد بيروت موضوعها: أن يكون

نصف أعضاء المجلس العمومي في بيروت من المسلمين والنصف الآخر من

غيرهم؛ لأن هذا أكبر ما أرضى به مسلمو بيروت نصاراها وبنوا عليه أساس اتفاقهم

المحمود، فوعد مدحت شكري بك بالسعي لإقناع جمعيته بها، وعلى مسائل

أخرى سرية تتعلق بالأشخاص، وعاد إلى الآستانة على أن ينتظر مندوبو

حزب اللامركزية وجمعية بيروت الإصلاحية في باريس تصديق الحكومة

رسميا على القسم الجهري من الاتفاق، وطلبهم إلى الآستانة لأجل مباشرة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٩٢