فعقدت عليه الفصول الطويلة وأجمعت صحف إنكلترا على أن الاتفاق يملك إنكلترا
طريق الهند وهذا كاف.
* * *
الاتفاق ومغانم الإنكليز والألمان
مقالة افتتاحية للأهرام تصرفنا في عنوانها فقط وهذا نصها:
عرف من أخبار المصادر التي يوثق بها، ومن أقوال الصحف التي يعول
على أقوالها، بل من خطاب السير أدوارد جراي المنشور بين التلغرافات أن الباب
العالي رضي في الاتفاق الجديد بينه وبين إنكلترا أن يترك كل دعوى من دعاوي
السيادة على الكويت وقطر وجزر البحرين ومسقط وعمان، واعترف لإنكلترا
بالحق المطلق في إنارة الخليج الفارسي وخفارته، وحقق لها كل أمنية وكل مطلب
في شط العرب، وثبت حقوقها المختصة بالملاحة في دجلة والفرات، كل هذا
وغير هذا مما سبق نقله وبيانه وإيضاحه في هذه الجريدة.
تلك الأماني التي أدركتها إنكلترا وتلك الغنائم التي نالتها بدت عظيمة جدا
لأعين الدول الأخرى الكبرى صاحبات المرافق والمصالح في البلاد العثمانية.
ورأت تلك الدول أن الحكومة العثمانية نفسها فتحت الباب وأوسعت المجال للمطامع
والمطامح ومهدت السبيل لعرض المطالب والرغائب، رأت ذلك فإذا بالمطالب تكاد
تغمر الباب العالي؛ وإذا ببعض الدول تريد أن تأخذ من الباب العالي، ومن إنكلترا
أيضا حصة أو تعويضا.
أبدت ألمانيا في هذا المجال، وهي صديقة تركيا الصادقة المخلصة، أنها لا
تعرف للقناعة والاعتدال والاكتفاء معنى، وهي التي تطلب التعويض الكبير بملء
فيها، مع أنه إذا كانت إنكلترا في الاتفاق الجديد تأخذ من دولتنا كثيرا فهي في الوقت
نفسه تعطي ألمانيا على حساب دولتنا ما هو أكثر وأوفر وأغلى قيمة وأعظم شأنا.
قد يدهش القارئ إذ لم يسمع أن إنكلترا أعطت ألمانيا شيئا ولكن من ينظر إلى
مضمون الاتفاق أو ما عرف منه حتى الآن يتبين له أن إنكلترا صدقت بصفة نهائية
على سكة حديد بغداد الألمانية وعدلت عن المعارضة والمقاومة والمعاكسة أو إقامة
العراقيل في سبيل ذلك المشروع الخطير، وهي بذلك التصديق على سكة بغداد
الألمانية قد أعطت ألمانيا ما لا تقدر قيمته ولا تحصى فوائده، وهذه الحقيقة تنجلي
عند البحث في مشروع سكة بغداد.
فمساحة سكة بغداد الألمانية تقارب ثلاثة آلاف كيلو متر، تبدأ من حيدر باشا
على البوسفور وتنتهي عند البصرة على شط العرب ومن مراجعة عقد الامتياز الذي
نالته الشركة الألمانية والاتفاقين اللذين عقد أحدهما سنة 1908 والثاني سنة 1911
يتبين أن الشركة حصلت على الحق في مد الفروع الكثيرة أو الخطوط المتفرعة من
تلك السكة، ومن ذلك فرع بين حلب وأورفه وفرع بين بغداد وخانكين الواقعة
على حدود إيران وفرع يمد إلى مرعش وفرع إلى عينتاب وفرع إلى ماردين وفرع
إلى أربيل، وفروع أخرى تتكون منها الصلة بين السكة الأصلية والبحر المتوسط
وتنتهي عند نقطة واقعة بين مرسين وطرابلس الشام. وتلك الفروع هي التي تزيد
مساحة السكة الأصلية إلى ثلاثة آلاف كيلو متر، وتلك السكة وفروعها تتخلل
آسيا الصغرى وأعالي سوريا وما بين النهرين والعراق العربي وتجتاز من البلاد
العثمانية الجهات والأقاليم التي فيها مصادر الحياة والثروة والخير.
وليس ذلك كل ما نالته شركة سكة حديد بغداد الألمانية فإنها فوق ذلك حصلت
على حق إنشاء بعض المواني والمرافئ والأرصفة اللازمة لرسو السفن والمخازن
اللازمة لتخزين البضائع على تلك الأرصفة وفي بنود الاتفاق بينها وبين الباب
العالي أن الحكومة العثمانية تأذن لها بتسيير السفن في دجلة والفرات بحجة نقل
عمالها والقصد الظاهر من ذكر هذه الحجة أن لا تقلق إنكلترا على مصالحها في
دجلة والفرات، ولكن وراء هذه الحجة مقاصد كبيرة تضمرها ألمانيا.
وفوق ذلك كله يحق للشركة أن تستخرج المعادن على مدى عشرين كيلو مترا
عن جانبي السكة وهي بذلك تحصل على كنوز لا يمكن تقدير قيمتها. ثم إنها يحق