تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما افتتان الناس به ودعواهم له الألوهية، وإن كان هو تبرأ من إطلاق لفظ

الصالح عليه كما سبق (مت 19: 17) فذلك لا يطعن في انتفاعهم العظيم به عليه

السلام، وفي أنه كان إماما ورحمة لهم وآية للعالمين كما أنه لا يطعن في فائدة

نزول الغيث كونه قد يصيب بعض البيوت مثلا فيهدمها على أهلها، ولا يطعن في

نفع النار وغيرها أنها كثيرا ما تؤذي الإنسان وتهلكه، وهي أقوى ما يستعمله

الإنسان للتدمير في الحروب وغيرها.

فهذه سنة الله في خلقه؛ إذ يندر أن يوجد شيء في العالم خال من الضرر في

جانب نفعه الكبير فكذلك بعثة عيسى وإن أفادت الناس كثيرا إلا أنها لم تخل من

الأضرار بضعاف العقول الذين ألهوه وعبدوه من دون الله، تعالى عما يشركون.

فالاعتراض على بعثته بسبب ذلك كالاعتراض على جميع ما خلق الله مما لا

يخلو من ضرر، ولذلك أيد الله تعالى - كما قال القرآن - أتباع عيسى مع ضعف

إيمانهم وفساد بعض عقائدهم حتى نشروا دينه على علاته في الأرض، وأصبحوا

فيها ظاهرين: {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم

للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من

بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} (الصف: 14) أي: قل يا محمد كما قال عيسى لأصحابه ما ذكر، والحكمة في

قول القرآن ذلك بدل أن يقول: كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار الله،

أنهم لم يكونوا في دينهم على ما يرام كما يفهم من قوله: {ومكروا ومكر الله والله

خير الماكرين} (آل عمران: 54) لأن يهوذا باعتراف النصارى كان منهم وكذلك

بطرس الذي سماه المسيح شيطانا، وغيرهما كان ضعيف الإيمان أو عديمه كما

سبق بيانه (راجع صفحة 52 و88 و92) وقال القرآن أيضا: {إذ قال الحواريون

يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك} (المائدة: 112) الآية، وقال: {فاختلف

الأحزاب من بينهم} (مريم: 37) الآية.

وإذا كان الله أيدهم مع ضعفهم هذا وفساد بعض عقائدهم بسبب أن في دينهم

أشياء أخرى كثيرة صالحة للبشر، وهي أكثر مما ألحق به من المفاسد فمن باب

أولى يؤيد الله المؤمنين الصادقين الخالي دينهم وعقائدهم من التحريف والتبديل؛

لذلك ضرب الله الحواريين مثلا للمؤمنين؛ لبيان كرمه وحلمه وتفضله على عباده

بالخير الكبير، ولو لم يستحقوه كله؛ ليعلموا أنهم إن نصروا الله، ولو قليلا،

نصرهم هو كثيرا كما فعل بأصحاب عيسى، ولم يضرب المثل بغيرهم من الأمم

السابقة المؤمنة؛ لأنهم لم يبق لهم ملك في الأرض مشاهد كاليهود، أو أنهم

انقرضوا كمؤمني قوم صالح وهود.

هذا وقد بين القرآن الشريف تاريخ عيسى كما بيناه هنا فقال الله تعالى فيه:

﴿إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل﴾ (الزخرف: 59) [5]

] ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون * وإنه لعلم [6] للساعة فلا تمترن

بها واتبعون هذا صراط مستقيم * ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين * ولما

جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه [7] [

أي كاختلاف اليهود (الزخرف: 60-63) في القيامة لعدم صراحتها في كتبهم:

{فاتقوا الله وأطيعون * إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم *

فاختلف الأحزاب من بينهم} (الزخرف: 63-65) لاحظ العطف هنا بالفاء

{فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم * هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم

لا يشعرون} (الزخرف: 65-66) والآيات في بيان فضائل المسيح ومزاياه

وأعماله بالثناء عليه عديدة شهيرة [8] فانظر إلى آداب القرآن العالية في المسيح فهو

يصوره دائما بغير الصورة التي تفهم من الأناجيل وفيها كثير من المسائل تؤدي إلى

الطعن الفظيع فيه كما أدت كثيرين إلى ذلك في أوروبة.

فنحن وإن كنا نبرأ إلى الله من مطاعنهم هذه نشير هنا [9] إلى بعضها ولا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٦٥