لها على خصمه بالمال حتى إذا ما فل الحديد الحديد، وبأس القوم بينهم شديد،
وضبطت موارد الرزق ومنع السلاح تعقد الدولة التي تفعل ذلك مع كل أمير وزعيم
في جهة من جهات الجزيرة اتفاقا على حرية التجارة وتأمين التجار وغيرهم،
ويدخل وراء ذلك الخمر وتجاره والبغاء وفجاره، والمبشرون وكتبهم، كما وقع في
مسقط والكويت وجميع بلاد الدولة، فيقع العداء الشديد بين الشعب ورؤسائه ويتم
لأعدائهم ما يريدون منهم. وكم أظهر دعاة النصرانية من الإفرنج الشغف والميل
والرجاء والأمل بأن ينشروا دعوتهم في جوار الكعبة وعرفات ومسجد المصطفى
عليه أفضل الصلاة والسلام؟ وكم أظهر متعصبو السياسة ما يتمنونه من نقل الكعبة
والقبر الشريف ووضعهما في اللوفر أو غير اللوفر من دور التحف والعاديات في
أوربة؛ لتكون أثرا تاريخيا يفتخرون به: {قد بدت البغضاء من أفواههم وما
تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} (آل عمران: 118) .
فالواجب على الدولة العثمانية أولا وبالذات أن تعترف بالاستقلال الإداري
والدفاعي لجميع إمارات البلاد العربية ومنها الحجاز وعسير واليمن بشرط أن لا
تنفرد إمارة منها بعقد اتفاق ولا معاهدة مع الأجانب لا سياسة ولا اقتصاد، وأن
تساعدها على تنظيم إدارتها، وقوى الدفاع فيها وعمرانها بالوسائل المقنعة المرضية
عند أهلها، وجمع كلمة أمرائها، وأن يكون الجند الذي ينظم فيها عونا للدولة على
أية دولة أجنبية تحاربها بقدر الاستطاعة وبهذا تربح الدولة قوة كبيرة لا تنفق عليها
شيئا من المال، وتستفيد إخلاص العرب في هذه الإمارات وفي ولاياتها السورية
والعراقية، ولا تخسر في مقابلة هذا الربح شيئا فإنها منذ أعلنت امتلاكها لتلك
الإمارات في جزيرة العرب إلى هذا اليوم لم تربح خزينتها منها شيئا بل خسرت
الملايين من الأموال ومئات الألوف من الرجال وتخريب البلاد وإفساد العمران.
فبهذا يحفظ الحرمان الشريفان من عدوان الأجانب، فإن الشيء لا يحفظ إلا بحفظ
سياجه.
فإن قيل: إن الدولة ما تعمدت إضعاف العرب وحرمت بلادهم حتى الحرمين
الشريفين من العلم إلا خوفا أن يعتزوا ويقووا فيستقلوا دونها ويستعيدوا الخلافة
الإسلامية فكيف تسعى هي إلى تقويتهم؟ فالجواب أن هذا اللقب قد جنى على
الإسلام والمسلمين أكبر الخطوب والمصائب وكان أشد أسباب ضعفهم من حيث لم
ينفعهم شيئا؛ وأنا أضمن أن أولئك الأمراء يرضون بأن يعترفوا لسلطان الدولة
بالخلافة إذا هي رضيت بما ذكرنا.
والواجب على المسلمين في جميع بقاع الأرض أن يساعدوا أهل تلك البلاد
المقدسة على كل ما به حفظها وحياتها الدينية والمدنية سواء وفقت الدولة للقيام بما
يجب عليها لها أم لم تقم بذلك، وإنما تطلب المساعدة منهم بالمال ثم بالرجال الذين
يصرفون ذلك المال في إنشاء المدارس والملاجئ وأسباب القوة والعمران، وتحسين
معيشة العربان، وإذا نجحت جمعية خدام الكعبة وأصلحت قانونها فإنها تستطيع أن
تؤدي خدمة جليلة يشكرها لها الله تعالى من فوق عرشه ويثيبها عليها ويشكرها لها
جميع المسلمين، ومتى رأوا باكورة ثمرتها يدخلون فيها أفواجا والله الموفق
والمستعان.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">