تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(6) وإننا قمنا بعد الدستور نطالبها بحقوق العرب كافة على قاعدة

اللامركزية لتقوى وتعمر كل بقعة بحسب حالها المناسب لها في طبيعة الاجتماع

البشري.

(7) وإنها كانت تقابل مطالبنا بالاحتقار والسخرية والسعي في تفريق الكلمة

حتى علمت أن عاقبة هذا خسر وخطر فجنحت للوفاق. وسيتم إن الله تعالى على

الوجه النافع المرضي، فإن نازعني في مقدمة من هذه المقدمات؛ فأنا مستعد لبيانها

له بالتفصيل.

بقيت المسألة الحربية والشجاعة: إن العرب قسمان: بدو وحضر، فالحضر

من القطرين الشآمي والعراقي مشاركون لإخوانهم الترك في علم الفنون العسكرية

الأوربية وفيهم مئات من الضباط أركان الحرب، وغير أركان الحرب متخرجون

في أوربة وفي الآستانة، والعسكر يؤخذ من عرب ولايات القطرين وما بينهما

كالموصل وديار بكر بالنظام الذي يؤخذ به من الولايات التركية، وكل منهما آية في

الشجاعة ولكن ضباط الترك أكثر.

وقد ظهر لنا بالعيان أن الحرب النظامية التي يدير حركتها هؤلاء الضباط هي

التي أذلتنا وأسقطت قيمة شجاعة جنودنا في الحرب البلقانية الأخيرة وفي الحرب

الروسية التي كانت قبلها، وكانت مقدمة لاستقلال هؤلاء البلقانيين بعد أن كان

أكثرهم تابعا لدولتنا، ونسب فيهما لقواد الترك من الخيانة ما لم يتلوث بمثله العرب،

ولا يشك أحد في أن سلانيك عاصمة أحرار الترك والمركز العام لجمعية الاتحاد

والترقي قد أخذها اليونان غنيمة باردة بخيانة حسني باشا ورجاله.

ونحن لا نحب المفاضلة بين العرب والترك في أمر مشترك بينهم كالجندية

وإنما ذمنا هنا خاص ببعض القواد والرؤساء الذين كانوا سبب كل بلاء حل بدولتنا

لا للعنصر التركي. على أنه قد كان للعرب في هذه الحرب البلقانية حملات خصهم

العالم بالثناء عليها. لا أفضل شعبا على شعب في الشجاعة والحرب ولكنني أقول:

إن المدرسة الحربية وغيرها من مدارس الآستانة لم تفسد من دين العرب وأخلاقهم

كما فسدت من غيرهم.

وأما البدو من العرب ومن على شاكلتهم من سكان المدن والقرى في عقر

الجزيرة فهم أشجع قلبا وأشد بأسا من حضر العرب والترك الموصوفين بالمدنية

حتى إن عرب اليمن ونجد يصفون الجندي العثماني بالجبن والضعف، ولو كان

هؤلاء القوم يعرفون من النظام العسكري ما يعرفه الجند العثماني ويحملون من

السلاح ما يحمله لكان التابور منهم يغلب عشرة توابير من غيرهم.

قد أصبح من البديهيات التي لا يختلف فيها اثنان أن الجيش العثماني لا يقدر

على صد أية دولة من الدول الكبرى إذا أرادت الاستيلاء على الحجاز وإنما يقدر

على ذلك عرب الحجاز واليمن ونجد والشآم والعراق، لا يحتاجون فيه إلا إلى

القوت الضروري والسلاح والذخيرة، واتفاق الكلمة، فإن هؤلاء كانوا مستعدين بما

ذكرنا للدفاع عن حرمهم وبلادهم لا يمكن أن تتجرأ دولة أوربية على الاصطلاء

بنارهم؛ لأسباب متعددة منها: شجاعتهم وصبرهم وعدم مبالاتهم بالموت، ومنها

أنهم لا يقفون في وجه عدوهم ويحاربونه حربا نظامية يقضى بها على معسكرهم إذا

غلب، بل يتألفون عصابات تهاجم مكان الضعف منه عند إصابة الغرة، فإن لقيت

ما لا قبل لها به فرت من وجهه في صحاريها واعتصمت بجبالها حتى تصيب غرة

أخرى، ومنها طبيعة البلاد وتعذر معيشة الأوربي فيها، ومنها أن الخسارة الكبيرة

فيها ليس وراءها ربح مادي يكون عوضا منها. وقد انقرض التاريخ الذي كان

الأوربيون يسفكون فيه أنهار الدماء لأجل الانتقام الديني أو عظمة الملوك وقهر

أعدائهم.

كل ما يمكن أن تفعله دولة أوربية بحرية في هذه السبيل هو أن تستولي على

سواحل جزيرة العرب فتبدأ منها بما عدا الحجاز كاليمن وحضرموت والعراق

وسورية ثم تجعل سواحل الحجاز تحت مراقبتها البحرية فتمنع عنه السلاح، وتلقي

العداوة والبغضاء بين أمراء الجزية، فتغري بعضهم ببعض، وتساعد من يستجيب

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٥١