وسلوك منهج المجاز في تلك المسائل، وكان هذا الباب موصدا قبلها، لا يطرقه
أحد ولا يخطر له.
ثم درج المعتزلة على أثر الجهمية، قال الغزالي في الإحياء، مشيرا إليهم،
فمن مسرف [3] في رفع الظواهر، انتهى إلى تغيير جميع الظواهر والبراهين أو
أكثرها، حتى حملوا قوله تعالى: ﴿وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم﴾ (يس: 65)
وقوله تعالى: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل
شيء} (فصلت: 21) وكذلك في الميزان والصراط والحساب ومناظرات أهل
النار وأهل الجنة في قولهم: ﴿أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله﴾ (الأعراف: 50) زعموا أن ذلك كله بلسان الحال ثم قال الغزالي: وأولوا من
صفاته تعالى الرؤية، وأولوا كونه سميعا بصيرا، وأولوا المعراج وزعموا أنه لم
يكن بالجسد، وأولوا عذاب القبر [4] ، وجملة من أحكام الآخرة، ولكن أقروا بحشر
الأجساد، والجنة واشتمالها على الملاذ المحسوسة، وبالنار واشتمالها على جسم
محسوس محرق يحرق الجلود. اه.
* * *
(7)
... ... ... مناظرة الجهم مع بعض السمنية
... ... وإفحامه إياه، وما علق على هذه المناظرة
روي أن الجهم لقي بعض السمنية [5] الخصمين، فقال له السمني: أريد
مناظرتك، فإن ظهرت حجتي عليك دخلت في ديني، وإن ظهرت حجتك دخلت في
دينك، فكان مما كلم به الجهم أن قال له: ألست تزعم أن لك إلها؟ قال الجهم: نعم،
فقال له: فهل رأيت إلهك؟ قال: لا، قال: فهل سمعت كلامه، قال: لا، قال:
فشممت له رائحة، قال: لا، قال: فوجدت له حسا؟ قال: لا، قال: فوجدت
له مجسا؟ قال: لا، قال: فما يدريك أنه إله؟
فأخذ الجهم في حج السمني بمثل حجته، فقال له: ألست تزعم أن فيك روحا؟
فقال: نعم، قال: فهل رأيت روحك؟ قال: لا، قال: فسمعت كلامه؟ قال لا،
قال: فوجدت له حسا؟ قال: لا قال: فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له
صوت، ولا يشم له رائحة، وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون
مكان.
هذا ما حكاه الإمام أحمد في الرد على الجهمية آثرناه باختصار وقوفا على
موضع الشاهد من فطنة جهم وبلاغته في إفحامه خصمه.
قال الإمام ابن تيمية في التسعينية، بعد حكاية ذلك: لما ناظر الجهم من
ناظره من المشركين السمنية من الهند الذين جحدوا الإله؛ لكون السمني لم يدركه
بشيء من حواسه، لا يبصره بسمعه، ولا بشمه، ولا بذوقه، ولا بحسه، كان
مضمون هذا الكلام أن كل ما لا يحسه الإنسان بحواسه الخمس، فإنه ينكره ولا يقر
به، فأجابهم الجهم أنه قد يكون في الموجود ما لا يمكن إحساسه بشيء من هذه
الحواس وهي الروح التي في العبد، وزعم أنها لا تختص بشيء من الأمكنة، وهذا
الذي قاله هو قول الصابئة الفلاسفة المشائين ثم قال ابن تيمية: والحجة التي ذكرها
مشركو الهند باطلة، والجواب الذي أجاب به الجهم باطل، وذلك أن قول القائل ما
لا يحس به العبد لا يقر به أو ينكره، إما أن يريد به أن كل أحد من العباد لا يقر
إلا بما أحسه هو بشيء من حواسه الخمس، أو يريد به أنه لا يقر العبد إلا بما
أحس به العباد في الجملة، أو بما يمكن الإحساس به في الجملة. فإن كان أراد
الأول، وهو الذي حكاه عنهم طائفة من أهل المقالات، حيث ذكروا عن السمنية
أنهم ينكرون من العلم ما سوى الحسيات، فينكرون المتواترات والمجربات
والضروريات النقلية وغير ذلك، إلا أن هذه الحكاية لا تصح على إطلاقها عن
جمع من العقلاء في مدينة أو قرية.
وما ذكر من مناظرة الجهم لم يدل على إقرارهم بغير ذلك، وذلك أن حياة بني
آدم وعيشهم في الدنيا لا يتم إلا بمعاونة بعضهم لبعض في الأقوال أخبارها وغير
أخبارها وفي الأعمال أيضا، فالرجل منهم لا بد أن يقر أنه مولود، وأن له أبا
وطئ أمه، وأما ولدته، وهو لم يحس بشيء من ذلك بحواسه الخمس، بل أخبر
بذلك ووجد في قلبه ميلا إلى ما أخبر به، وكذلك علمه بسائر أقاربه من الأعمام