حنبل قال: قرأت في دواوين هشام بن عبد الملك إلى نصر بن سيار عامل خراسان:
أما بعد فقد نجم قبلك رجل يقال له جهم من الدهرية فإن ظفرت به فاقتله. قال
ابن حجر: ولا يلزم من ذلك أن يكون قتله وقع في زمن هشام، وإن كان ظهور
مقالته وقع قبل ذلك حتى كاتب فيه هشام والله أعلم.
ولا يخفى أن نبز هشام لجهم بأنه من الدهرية، في كتابه هذا - إن صح -
إنما أراد به زيادة الإغراء بقتله، ليكون حجة له، وتمويها على العامة، ومن لا
يدري حقيقة الأمر في هدر دمه. وقد علمت أن الباعث على قتله أمر سياسي
محض؛ لأن جهما كان خطيب الحارث وقارئ كتبه في المجامع، والداعي إلى
رأيه وإلى الخروج معه على بني أمية وعمالهم، لسوء سيرتهم وقبح أعمالهم وشدة
بغيهم كما أثرناه قبل.
ولا يخفى على من له أدنى مسكة من عقل أن الدهرية لا يقرون بألوهية ولا
نبوة. وجهم كان داعية للكتاب والسنة، ناقما على من انحرف عنهما مجتهدا في
أبواب مسائل الصفات فكيف يستحل نبزه بالدهرية، وهي أكفر الكفر، ومن هنا
يعلم أن لا عبرة بنبز الأمراء والملوك من ينقم عليهم سيرتهم بالألقاب السوءى،
والتاريخ شاهد عدل؛ وليس القصد التحزب لجهم والدفاع عن مذهبه وآرائه، كلا،
فأنا أبعد الناس عن التحزب والتعصب والتقليد، ولكن الإنصاف يدعو أن يذكر
المرء بما له وما عليه إذا أريد درس حياته ومعرفة سيرته، وذلك ما توخيناه هنا.
* * *
(6)
فلسفة جهم أو مذهبه في الأصول، وتأثيره في العقول
قد حكى مذهب جهم وفلسفته أرباب المقالات والمصنفون في الملل والنحل،
وكذا في كتب الكلام المطولة، وفيما صنف للرد عليه وعلى أتباعه الجهمية.
مرجع فلسفته وخلاصة مذهبه: هو تأويل آيات الصفات كلها؛ والجنوح إلى
التنزيه البحت، وبه نفى أن يكون لله تعالى صفات غير ذاته، وأن يكون مرئيا في
الآخرة، وأن يتكلم حقيقة، وأثبت أن القرآن مخلوق.
هذه أشهر مسائل جهم التي يقال لها (مقالة الجهمية) وله من الآراء سوى
ذلك، كالقول بنفي جهة العلو، والقول بالقرب الذاتي، وأن له تعالى مع كل أحد ذاتا
كما حكاه الرازي الحنفي في كتابه حجج القرآن عن الجهمية، وأورد أدلتهم من
الكتاب والسنة فانظره.
كان من أعظم شبههم في باب الصفات: اعتقاد أن ظاهرها يفيد التشبيه
بالمخلوق أي أن ما يفهم من نصوصها يماثل ما يفهم من صفات المخلوق، فظاهر
معناها التمثيل، وهو مستحيل فيجب التأويل.
وقد رد عليهم: بأن الظاهر المفهوم لو كان المراد به خصائص صفات
المخلوقين حتى يشبه المولى بخلقه، لما خالف أحد في رده ونفيه؛ لأن هذا ليس
مرادا بالاتفاق، للقطع بأنه تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في
أفعاله، إلا أن هذا ليس هو ظاهرها، وإنما ظاهرها ما يليق بالخالق تعالى. وليس
في العقل ولا في السمع ما ينفي هذا، والصفة تتبع موصوفها، فكما أن ذاته
المقدسة ليست كذوات المخلوقين فكذلك صفاته.
بهذا يقرب الأمر من رفع الخلاف [2] إذ الظاهر عند خصوم الجهمية غيره
عندهم، فانفكت الجهة وللإمام ابن دقيق العيد تقريب آخر قرره في ذلك حيث قال:
المنزهون لله عن سمات الحدوث ومشابهة المخلوقات بين رجلين: إما ساكت عن
التأويل وإما متأول؛ ثم قال: والأمر في التأويل وعدمه في هذا قريب عند من يسلم
التنزيه، فإنه حكم شرعي أعني الجواز وعدمه، فيؤخذ كما يؤخذ سائر الأحكام.
إلا أن يدعي مدع أن هذا الحكم ثبت بالتواتر عن صاحب الشرع، أعني المنع من
التأويل، ثبوتا قطعيا، فخصمه يقابله حينئذ بالمنع الصريح، وقد يتعدى بعض
خصومه إلى التكذيب القبيح بالمنع الصريح. اه.
قال العلامة المقبلي في العلم الشامخ، بعد نقله ذلك - ونعم ما قال -:
(وتقريب مسافة الخلف بين الفريقين كان يمكن بمثل هذين التقريبين وغيرهما، لولا
تعصب الحزبين كما سنبينه في آفة التعصب) .
وبالجملة فتأثير مذهب الجهمية في الأفكار، إنما كان تنبيها إلى التأويل،