مشاهد بين الناس فكثيرا ما ينتحر العاشق في سبيل معشوقه والأم لأجل ولدها مثلا؛
فحب الله -على قولهم هذا- لا يمتاز عن الحب المعتاد بين ضعاف المخلوقين
وشرارهم. ولعل من أسباب كثرة الانتحار بين الإفرنج هذه العقيدة؛ إذ من
مقتضاها أن الانتحار ليس بعار ولا عيب فيه ما دام ربهم نفسه قد ارتكبه ولو أن
الحامل له عليه غير الحامل لأكثرهم، ولكن الانتحار على كل حال هو مظهر من
مظاهر اليأس والضعف والجبن وقلة العقل والحيلة؛ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
لاحظ أيضا أن إلههم هو الذي أباح لهم شرب الخمر وشربها معهم وناولهم
إياها بيده كما سنبينه (مت 26: 27 - 29 ومر 14: 23 - 25 ويو 2: 1 -
11) ، (راجع كتاب دين الله ص 98) فلذا فشا فيهم الانتحار وشرب الخمر وهما
من أكبر الموبقات؛ ومع كل ما تقدم فالله تعالى باعترافهم لم ينتحر هو نفسه
لخلاصهم بل ضحى بالإنسان يسوع، الذي أكرهه على ذلك إكراها كما بيناه في
مقالة الصلب وغيره؛ وظلمه وهو بريء ولم يشفق عليه ولم يرحمه كما قال بولس
(رومية 8: 32) فأين الثريا من الثرى، وأين السماء من الأرض؟ فإذا لم يحمل
الناس على حب الله خلقه لهم وتفضله عليهم بجميع أنواع النعم الصغيرة والكبيرة
وهدايته لهم بدون مقابل ورحمته بهم وعفوه عنهم وعدم تكليفهم ما لا يطيقون فهل
يحمل على حبه صلبه البريء يسوع؛ لأجل خطيئة آدم وخطيئتهم وهم لم يقعوا في
العصيان إلا بعلمه وإرادته وتقديره؟ ومهما بالغ بعضهم في إرادة الإنسان واختياره
فإن ذلك مخالف في كتبه (راجع يو 12: 39 - 41 ورو9: 17 و17 و11: 7
و8 و12: 3 وخر 4: 21 و9: 12 و10: 1 و1 صم 2: 25 وتث 2: 30
واش 6: 10 ويشوع 11: 2) .
وقد كان يمكنه أن يمنع وقوع الإنسان آدم في هذه الخطيئة أو يمنع نسله من
التأثر بخطأ أبيهم الذي أدخل بزعمهم الخطيئة في العالم كما قال بولس (رومية 5:
12) مع أنه لولا خلقه آدم بطبيعته ميالا من قبل للشر والعصيان لما عصاه وخالف
أمره (راجع رسالة الصلب ص 123 - 125) ولو أراد أن ينجيهم من العقاب
تفضلا منه ورحمة لما عارضه أحد؛ ولما نافى ذلك عدله كما يزعمون وإلا فهل
صلب البريء بدون إرادته فداء للمذنبين هو الذي لا ينافي ذلك العدل الذي ما فهموه؟
(راجع صفحة 11 - 13 من كتابنا دين الله) وهل إيقاعهم في العصيان بخلق
آدم ميالا للشر وخلقهم كذلك ومؤاخذتهم بذنبه وذنوبهم (انظر مثلاتك 3: 15 -
19) وعدم العفو عنهم مطلقا إلا بسفك الدم هو الذي يحملهم على حبه؟ ولا يحمل
المسلمين ما ذكرنا على حب الله الرءوف بهم الرحيم المنعم عليهم بكل شيء الغفور
لذنوبهم جميعا بدون سفك دم أحد متى صحت توبتهم ورجعوا إليه وحده مستغفرين
خاضعين مطيعين؟ وهو الذي لا يسأل أحدا منهم إلا عما اكتسبته يداه؟ فتأملوا في
ذلك أيها العاقلون واحكموا بيننا وبين القوم الظالمين. وليس غرضنا بهذه العبارة
البحث هنا معهم في مسألة القضاء والقدر، فقد وفيناها حقها في بعض أعداد المنار
السابقة (م 10 ص731) وإنما الغرض مقارنة العقيدتين وبيان أيهما أشد حملا
للناس على حب الله.
وإذا كان المسيح باعتبار ناسوته من نسل آدم؛ لأنه مولود من مريم ومتكون
في رحمها من دمها فهو كباقي أولاد آدم واقع في الذنب فهو أيضا يحتاج إلى الكفارة
مثلهم، وإذا يكون غير طاهر ولا معصوم من الذنوب كما تزعمون؛ لأنه ابن
الإنسان الخاطئ وناسوته مخلوق من مريم بمقتضى التولد الجثماني، وإن كان لم
يتلوث بذنب آدم فلم تلوث غيره (رومية 5: 12 و17 و1 كو 15 و22) وكلنا
من نسل آدم وطبيعتنا هي من طبيعته؟ وإن كان الله طهره من الخطيئة بحلوله فيه
فإذا يجوز التطهير من الذنوب بدون سفك الدم، وهو خلاف ما تدعون؟ وإن كان
حلول الابن مطهرا من ذلك فلم لم يطهركم حلول روح القدس فيكم وكلكم هيكل الله