تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النصارى المعروفة.

وقد كان الرومانيون وغيرهم يعبدون بعض قياصرتهم في حياتهم ويألهونهم

بعد موتهم (راجع ص44 من كتاب التوراة غير موثوق بها لمؤلفه Wslter

Jekyll) وكانت عبادة البشر [8] وتأليههم شائعين في المملكة الرومانية، في ذلك

الزمن كما يفهم أيضا من نفس سفر الأعمال (12: 22 و41: 11 و28: 6)

فلما فشا في الناس ذلك المعنى الضار في الأب والابن بتأثير الوثنية أبطل الله هذه

الاستعمالات المجازية في القرآن الذي هو آخر الكتب بعد أن حصل الناس على

الغرض منها، وأصبحت لا فائدة فيها لهم سوى أنها قد تجر بعض سخفاء العقول

كما جرتهم من قبل إلى الغلو فتوقعهم في الشرك والوثنية مرة أخرى بعد ختم الوحي

والنبوة فلذا استبدلها الله تعالى باستعمالات أخرى أقرب إلى تصوير الحقيقة، وأبعد

عن الضرر، وتكفي الناس في ذلك الزمن لفهم المراد ما كفتهم تلك في الأزمنة

الأولى والبشر في طور الطفولية، فبين تعالى في كتابه العزيز أن الله رؤوف رحيم

ودود لعباده وأنه يحبهم ويحبونه (قرآن 3: 31 و5: 54 و16: 18 و85:

14) وغير ذلك كثير وأنه وليهم (2: 257) وهم أولياؤه (10: 62) وبدأ كل

سورة منه ب ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ (الفاتحة: 1) ، وبين رسوله أن

الخلق عياله وأنه أشفق عليهم وأرحم من الأم بولدها وبذلك ونحوه حصلوا على فهم

ما فهمه الأولون من الأب والأبناء بدون أن يلحقهم ما لحق أولئك من الشرك

والوثنية، فإن البشر في زمن البعثة المحمدية كانوا أرقى ممن سبقهم فكانت تكفيهم

كما قلنا هذه العبارات لفهم المراد من محبة الله لهم بدون تشبيه ولا تمثيل، ولا تنس

أن محمدا هو خاتم النبيين لذلك تركت هذه الاستعمالات المجازية في القرآن لعدم

حاجة البشر إليها في فهم المراد؛ ولأنهم إذا وقعوا بسببها في الوثنية تعسر إبعادهم

عنها بعد ختم الوحي والنبوة.

هذا وفي قول القرآن الشريف: ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ (المائدة:

119) وقوله: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ (المائدة: 54) من التكريم الإلهي والتحبب

واللطف ما لا يخفى على متأمل، فكأن الله تعالى ﴿وله المثل الأعلى﴾ (الروم:

27) ساوى عباده به حتى صار يطلب رضاهم عنه وحبهم له كما يطلبون هم ذلك

منه، وهو الذي بدأ - كما في هذه الآيات - بالرضا عنهم والحب لهم، فأي رفع

لنفوس البشر وجذب لقلوبهم، بعد أن أماتها الشرك والوثنية، أكبر من ذلك؟ فهم

وإن كانوا عباده إلا أنه لا يعاملهم معاملة السيد لعبيده بل معاملة الأخلاء بعضهم

لبعض كما هو ظاهر من عبارات القرآن، وهي لا شك أدعى لرفع نفوس الناس

وتشريفهم وجذب قلوبهم إلى الله تعالى من قول الإنجيل: (أبانا الذي في السموات) .

فإن الفرق بين درجة الأب مع ابنه ودرجة النظير مع نظيره لا يحتاج لتوضيح.

وقول القرآن: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ (البقرة: 186) وقوله: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ (ق: 16) ليس

كقول الإنجيل: (هذا إنه في السموات) ؛ إذ دلالة الأول على القرب لا تقارن

بدلالة الثاني عليه، وشتان بين من يدعو الذي في السموات وبين من يدعو الذي هو

أقرب إليه من حبل الوريد، وفرق بين النصراني الذي ينتسب إلى الله ويقول: إنه

أبوه وبين المسلم الذي يتقرب إليه الله نفسه ويقول له: إني أقرب إليك من أجزاء

جسمك الداخلية، ويخاطب نفسه بقوله: {ارجعي إلى ربك راضية مرضية *

فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي} (الفجر: 28-30) .

أما قوله تعالى: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم

يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} (المائدة:

18) فليس المراد به إنكار تسميتهم أبناء الله بمعنى أحبائه بل المراد إنكار

اختصاصهم بذلك، كما ادعت اليهود والنصارى [9] ، وبعناية الله بالوحي والنبوة

والخير الأكبر، وغير ذلك دون سائر العالمين، فبين تعالى لهم أنهم عنده كسائر

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٣٧