الحاجة في المخازن التي بنيت بصورة مخصوصة.
في قبضة السيد الإدريسي الآن عدة مواني أهمها جازان وميدي وشفيق وبركة
وحبل والفوز، كما ذكرنا آنفا، وفي كل ميناء منهن جمرك له عمال موظفون من
قبل السيد لاستيفاء الرسوم الجمركية من الواردات والصادرات، والرسوم التي
يتقاضاها السيد أقل من الرسوم التي كانت تأخذها الدولة.
والتجارة كثيرة جدا بين هذه الثغور وبين عدن ومصوع؛ لأن هذه الثغور
هي مواني قطعة العسير كلها وبعض جهات اليمن والحجاز، والسنابك [1] تروح
وتغدو بينها وبين مصوع وعدن دائما، والأمن مستتب، والرشوة ولله الحمد مفقودة،
والعدل موجود، والظلم معدوم، والتسهيلات متوفرة، والناس كلها ألسن مدح
وثناء على السيد الإدريسي الذي أحيا هذه القطعة وأصلح شئون أهلها.
ولقد انتشر نفوذ السيد الإدريسي كثيرا من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق
إلى الغرب حتى السواحل بقدر ما قل وتناقص نفوذ الإمام يحيى، لأسباب لا محل
لذكرها هنا. حتى إن كثيرا من القبائل التي كان عليها معظم المعول عند الإمام
يحيى أتت لعند السيد الإدريسي وبايعته ووضعت عنده الرهائن من أولاد زعمائها،
وفي مقدمة هذه القبائل قبيلة حاشد العظيمة التي يقودها الشيخ ناصر بخيت.
على رأس كل قبيلة من قبائل العسير قاض وأمير من قبل السيد الإدريسي،
فالأول ينظر في الشئون القضائية، والثاني ينظر في الشئون الإدارية والحربية،
ويجمع الزكاة الشرعية للسيد، والمخابرات الرسمية جارية بكمال الدقة والاهتمام
بين المركز والضواحي.
عند السيد الإدريسي وكيل اسمه يحيى زكريا وهو بمثابة رئيس الحجاب أو
الصدر الأعظم، وأمين لبيت المال واسمه محمد يحيى وهو بمثابة ناظر المالية،
وكثير من القواد وكلهم يحملون السيوف دائما ولهم شارات مخصوصة كل بحسب
رتبته ومقامه.
أرسل قائمقام لحية إبراهيم بك خليل بتاريخ 10 مارس سنة 1913 كتابا إلى
السيد الإدريسي يطلب فيه الإذن بمقابلته فأذن له فجاء وأخبر السيد بأن الوالي
محمود نديم بك تلقى من الباب العالي أوامر تقضي بمخابرته بأمر الصلح وحسم
المشاكل وفض الاختلافات التي بينه وبين الدولة، وسأله هل يقبل بفتح المفاوضات،
فقبل السيد، فقفل القائمقام المذكور راجعا إلى لحية وأخبر بذلك الوالي برقيا،
فغادر محمود نديم بك ومعه القائد سعيد باشا صنعاء ووصلا إلى لحية في 27 مارس
سنة 1913، وأرسلا كتابا إلى السيد يطلبان فيه حضوره لثغر ميدي ليقترب منهما
فأرسل السيد من قبله هيئة لمخاطبتهما على رأسها أمينه محمد يحيى بخطاب يقول
فيه: بلغوا كل ما تريدون لهذا الأمين وهو يوصله إلي حتى أعلم ما تريدون [2] .
كانت مطالب السيد الإدريسي قبل ثلاث سنوات - كما ذكرها هو في كتابه
إلى الإمام بسيطة جدا، أما مطالبه اليوم فهي لا تشابه تلك المطالب بوجه من
الوجوه.
ففي ذلك الحين لم يكن في يد السيد الإدريسي ثغر من الثغور البحرية وقد
أصبح اليوم في قبضة يده عدة مواني كما تقدم في كل واحد منهن بضعة مدافع كبيرة
تحميها. وفي ذلك الحين لم يكن قد وقع بين رجاله وبين الدولة سفك دماء، وكان
ذلك قبل حرب الطليان وما تلاها من المصائب وحرب البلقان وما أعقبها من
النوائب، وجملة القول أن كلا من حالته وحالة الدولة لم تكن مثل ما هي الآن.
يحق للسيد الإدريسي اليوم أن لا يرضى لما كان رضي به قبل ثلاث سنوات،
ولم ترض به الحكومة العثمانية؛ لأن نفوذه خلال هذه المدة انتشر بين القبائل
انتشارا هائلا، وأحواله انتظمت ورجاله تسلحت، وقبائله استعدت، وعساكره
تعلمت وتمرنت على إطلاق القنابل واستعمال المدافع الكبيرة والصغيرة، وقد
علمت من رجل كبير من رجاله أنه سيستمسك بالمطالب الآتية:
1- الاستقلال الإداري التام تحت سيادة الدولة.
2- أن لا تتدخل الدولة في شئون موظفي البلاد التي في قبضة يده والتي