الوفاق بين القبائل، ووقف القوي عند حده، وامتد رواق العدل والمساواة في تلك
الأصقاع، فارتاحت الأهالي وأمنت على أرواحها وأموالها، وصاروا كلما ذكروا
عذاب الماضي وقاسوه بنعيم الحاضر يتضاعف حبهم للسيد الإدريسي، وتزداد
طاعتهم له وانقيادهم لأوامره وتقوى الروابط بينه وبينهم.
أعدم السيد الإدريسي عددا كبيرا من كبار القوم الذين ارتكبوا جريمة قتل
الأبرياء الضعفاء قصاصا ولم يلتفت إلى علو كعبهم ورفعة منزلتهم بين قومهم،
ولا إلى شرفهم وعظمتهم ونفوذهم، فلم يغضب لهذا الأمر إنسان لأنه عدل وحق.
قاعدة السيد الإدريسي في الحكم والإدارة العدل، وهو عنده فوق كل شيء،
وهذا مما جعل الرأي العام في جهات جزيرة العرب وفي جهات العسير منها خاصة
يميل إليه ويحب خطته ويطري مبادئه ويثني على منهجه القويم.
السيد الإدريسي لم يفاجئ الحكومة العثمانية بالعدوان ولم يعلن عليها الحرب
في حين من الأحيان، بل كان الأمر بالعكس، فإن الباب العالي كان يصغي
لأكاذيب ولاة اليمن وقوادها الجهلة المغرورين الذين كانوا يوسوسون له ويدسون
الدسائس ضد الإدريسي فيأمر - أي الباب العالي - بتجييش الجيوش وتسيير
الحملات على السيد فيضطر هذا إلى الدفاع فالهجوم فسحق القوات فحصار المدن
والثغور فالاستيلاء عليها.
في واقعة واحدة من الوقائع العديدة العظيمة التي حصلت بين رجال السيد
وبين الجيش العثماني وهي واقعة جازان المشهورة، قتل من الجنود العثمانية أكثر من
أربعة آلاف عسكري، ولم يعرف عدد الجرحى، والتجأ قائد الجيش الميرالاي
محمد راغب بك إلى السيد خوفا من فتك الضباط به بسبب الخطأ الذي ارتكبه في
هذه الواقعة على زعمهم. وبقي هذا القائد التركي عند السيد معززا مكرما مدة سنة
ونصف ثم فر هاربا بدون أن يستأذن من السيد مع أن السيد كان تاركا له الحرية في
السفر أو البقاء، على باخرة إنكليزية كانت مرت بجازان.
لما أعلنت إيطالية الحرب على الدولة العثمانية أخلت هذه في الحال ميناء
جازان من العسكر ولم يتيسر لها لضيق الوقت ولقلة وسائط النقل أن تنقل إلى
الحديدة غير الجنود فقط، وتركت السلاح والمؤنة والذخائر والخيام والبغال. تركت
أشياء كثيرة كانت معدة لحملة عسكرية مؤلفة من خمسة وعشرين تابورا، فاستولى
السيد الإدريسي على ما تركوه ودخل جازان، وهي أعظم ميناء على السواحل
اليمانية بعد الحديدة، ولا تزال في يده كما أنه استولى بعد ذلك على غيرها من
المواني مثل ميدي وشفيق وحبل وبركة والفوز، وفي ميدي قلعة كبيرة مهمة
أخذها الإدريسي بما فيها من المدافع والذخائر.
ولقد تمكن السيد الإدريسي منذ نشبت الحرب بين الحكومة العثمانية وإيطاليا
إلى الآن من جلب أكثر من مائة ألف بندقية وخمسين مدفعا ونيف من درجات
مختلفة أي كبيرة ومتوسطة وصغيرة؛ لأن الطليان كانوا أغرقوا وأسروا بواخر
خفر السواحل العثمانية كلها فخلا للسيد الجو وانتهز هذه الفرصة الثمينة واستعد
استعدادا عظيما، ولديه الآن أكثر من عشرين مدفعا من المدافع الكبيرة التي ترمي
إلى مسافة 12-15 كيلو متر وهي موضوعة في الحصون التي أنشأها في السواحل
الثغور التي بيده، وقد تعلمت الجنود العربية استعمال المدافع واستخدامها في
الحروب، وبرعوا جدا في إطلاق القنابل، ولا يزال عند السيد عشرات من أفراد
الجند وضباط الصف (الجاويشية) العثمانيين الذين أسروا أو التجأوا إليه في
الحروب ومعظم هؤلاء من صنف المدفعية، وإذا أضفنا عدد المدافع التي أخذها
السيد من جيوش الدولة في الحروب، والبنادق التي استولى عليها والتي كانت عند
العربان من قبل إلى الأرقام السالفة الذكر يمكنا بلا مبالغة أن نقول: إن لدى السيد
الإدريسي الآن أكثر من تسعين مدفعا ومن مائتي (200) ألف بندقية جديدة من
أحدث طرز، ومعظم البنادق الجديدة محفوظة مع ذخيرتها الكافية الوافية لوقت