تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجامع بمرو، فقدم جهم إلى مقاتل، فوقعت العصبية بينهما، فوضع كل منهما على

الآخر كتابا ينقض عليه [3] .

وعن أبي حنيفة رحمه الله قال: (أفرط جهم في نفي التشبيه، حتى قال:

إنه تعالى ليس بشيء، وأفرط مقاتل في معنى الإثبات حتى جعله مثل خلقه) نقله

الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال، وفي حكاية العباس بن مصعب ما يدل على أن

الجهم كان من المؤلفين في مذهبه.

(3)

خروج الجهم مع الحارث بن سريج على أمراء بني أمية

ودعوتهما إلى الكتاب والسنة والشورى

يمر بقارئ حوادث المائة الثانية للهجرة النبوية أخبار عن الحارث بن سريج

عجيبة تدل على حرصه على نشر العدل، وتحرقه من الظلم وأهله، ورغبته في

العمل بأحكام الكتاب والسنة، وفي القضاء على سلطة الاستبداد وجعل الأمر شورى،

وإن نصبه الحرب مع بني أمية، واتخاذه الجهم بن صفوان وزيرا في بث الدعوة

كتابة وخطابة، إنما كان لهذه المقاصد الحسنة.

وملخص ما ذكره الطبري وابن الأثير وابن خلدون أن الحارث هذا كان

عظيم الأزد بخراسان [4] ، وأنه خلع سنة (116) ولبس السواد، ودعا إلى كتاب

الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والبيعة للرضا. وأنكر سيرة هشام بن عبد الملك

وأعماله، ونزل الفارياب وأتى بلخ، واستولى عليها وأقام بها عاملا، وسار إلى

الجوزجان، وغلب عليها وعلى الطالقان ومرو الروذ. ثم أقبل إلى مرو بيضة

خراسان في ستين ألفا ومعه فرسان الأزد وتميم ودهاقين بلاد العجم. واقتتلوا مع

أمير مرو قتالا شديدا، حتى انهزم أصحاب الحارث، ولم يبق معه إلا زهاء ثلاثة

آلاف، ثم عاد الحارث إلى بلاد الترك، وأقام بها اثنتي عشرة سنة، ثم روسل

بالعود إلى خراسان، فأخذ الأمان وعاد سنة (126) ولما قدم مرو لقيه الناس

بكشمهين قال لهم: (ما قرت عيني منذ خرجت إلى يومي هذا، وما قرت عيني إلا

أن يطاع الله) .

قال ابن جرير الطبري: كان الحارث بن سريج يجلس على برذعة وتثنى له

وسادة غليظة، ولما لقيه نصر بن سيار وأنزله أجرى عليه كل يوم خمسين درهما،

فكان يقتصر على لون واحد، وطلق أهله وأولاده، وعرض عليه نصر أن يوليه

ويعطيه مائة ألف دينار، فلم يقبل، وأرسل إلى نصر: (إني لست من هذه الدنيا

ولا من هذه اللذات ولا من تزوج عقائل العرب في شيء، وإنما أسأل كتاب الله عز

وجل والعمل بالسنة واستعمال أهل الخير والفضل، فإن فعلت ساعدتك على عدوك) .

وقال الحارث لنصر: (خرجت من هذه المدينة - مرو - منذ ثلاث عشرة

سنة إنكارا للجور، وأنت تريدني عليه) .

هذا كلام الحارث في مشربه نفسه، وفي رأيه في سياسة الشعب، وصدعه

في وجوه إصلاحه، وبه يعلم منزلة عقله، ونبله وفضله، وغيرته وتقواه، رحمه

الله.

(البقية تأتي)

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(*) رسالة فضفاضة أتحف بها المنار صديقه عالم الشام الشيخ جمال الدين القاسمي.

(1) منها كتاب (تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية) ويسمى تخليص التلبيس من كتاب التأسيس للإمام ابن تيمية، ومنها كتاب الصواعق المنزلة على الجهمية والمعطلة للإمام ابن القيم، وكتاب البيان عن أصول الإيمان والكشف عن تمويهات أهل الطغيان، تأليف أبي جعفر السمناني البغدادي المالكي صاحب القاضي أبي بكر الباقلاني، رأيته في مكتبة المدرسة العثمانية بحلب أيام رحلتي إليها عام 1330 وهذا الكتاب مخطوط عام 683 ومعه كتاب (حز الغلاصم في إفحام المخاصم عند جريان النظر في أحكام القدر) وكتاب (تحرير التنزيه وتحرير التشبيه) للإمام أحمد بن محمد الإسكندراني المالكي وكلها في الرد على المعتزلة لكن بقواعد الخلف.

(3) لو أبقت الأيام لنا كتابي مقاتل والجهم لوقفنا على حقائق مذهب الجهم بما تفوق المعنعنات عنه بمراتب، فوا أسفاه على ما طوته الأعصار من مثل هذه الآثار.

(4) أيام كانت فيالق العرب متغلغلة في أحشاء بلاد فارس والديلم والخزر.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢١٩