تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اليم) (طه: 38-39) ثم قوله في آخر هذه القصة: (فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما

غشيهم) (طه: 78) فالمتبادر من ذلك أن فرعون غرق في نفس اليم الذي ألقي فيه موسى وهو النيل، ومثل ذلك أيضا ما جاء في سورة القصص وهو قوله: (فإذا خفت عليه فألقيه في اليم) (القصص: 7) ثم قوله فيها بعد: (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم) (القصص: 40) أما مسألة حكم موسى في مصر والتمتع بها هو وقومه مدة من الزمن بعد الغرق فهو أيضا المتبادر من نحو قوله تعالى: (فأراد) أي فرعون (أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا) (الإسراء: 103) إلى قوله: (وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض) (الإسراء: 104) وقوله:

(فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم * كذلك وأورثناها بني إسرائيل) (الشعراء: 57- 59) ويجوز أن الشريعة أعطيت لموسى في الطور قبل تركه حكم مصر وفي زمن موسى أعطى الله بني إسرائيل - بدلا عن مصر التي أمرهم بتركها - الممالك التي في شرق الأردن كما في كتبهم، وفي زمن يشوع أعطاهم كل أرض كنعان إلا بعض أجزاء منها (يش 13: 1) وهذه الأرض التي أعطيت لهم هي من أخصب أراضي العالم وأحسنها وهي المسماة عندهم بأرض الموعد؛ لأنهم كانوا وعدوا بها من قبل، فأين لمحمد صلى الله عليه وسلم علم ما بيناه من ذلك التاريخ، وهو أجنبي عنه وعن قومه ومغاير للتوراة ومخالف لما يعتقده جميع اليهود والنصارى من قديم الزمان، ولكنه موافق لأقدم الروايات المصرية وأصحها التي لا يعرفها - حتى الآن - إلا واسعو الاطلاع من محققي المؤرخين؟ أما مانيثو Manetho المذكور هنا الذي وافقت روايته ما جاء في القرآن الشريف، فكان كاهنا لمعبد من أقدم المعابد وأشهرها، وقد كتب تاريخ مصر بأمر بطليموس فيلادلفوس في القرن الثالث قبل المسيح وكان من أدق مؤرخي القدماء وأصدقهم وقد أخذ بأوثق المصادر وأصحها في كتابة تاريخه، إلا أن هذا التاريخ فقد مع ما فقد في حريق مكتبة الإسكندرية ولم يبق منه سوى مقتطفات في بعض الكتب القديمة اليونانية وقد أيد أكثر هذه المقتطفات ما اكتشف حديثا من الآثار المصرية والمكتوبات العتيقة مع أن آباء النصرانية كيوسيبيوس حرفوا كعادتهم كثيرا مما نقلوه منها لتطابق نصوص العهد القديم كما ذكره العلامة لينج في كتابه الأصول البشرية ص 11 منه.

(9) من أكبر أسباب شك علماء أوربا المحققين في حوادث كتب العهد القديم وغيرها هو ما جاء فيها من تعيين الأوقات والسنين والأماكن وعدد الرجال وغير ذلك من التفاصيل التي كلما تعمقوا في البحث فيها وطبقوها على الآثار والمكتوبات القديمة ونحوها رجعوا بالخيبة والفشل فلذا أنكروا هذه القصص بحذافيرها (راجع مثلا الفصل السادس والسابع من كتاب الأصول البشرية تأليف صمويل لينج) ومن ذلك تعلم الحكمة في ترك القرآن أمثال هذه التفاصيل لأنه إن ذكرها كما هي في كتب أهل الكتاب لكانت خطأ وإن ذكرها على حقيقتها وخالف كتبهم فيها كلها لظنه الناس في تلك الأزمنة الجاهلة مخطئا خطأ كثيرا فاحشا وضحكوا منه وسخروا وشك أكثرهم في صدقه، فكان تركها عين الحكمة؛ ولذلك بقي القرآن إلى الآن بعيدا عن أكثر مطاعن علماء النقد من هذه الوجهة فيا لله ما أحكمه من كتاب ولولا وحي الله لظن الأمي صحة كل ما في كتب أهل الكتاب، ونقل عنهم شيئا كثيرا من هذه التفاصيل المغلوطة.</span></span>

الكاتب: جمال الدين القاسمي

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢١٦