(5) تذكر قول القرآن: (ويدرءون بالحسنة السيئة) (الرعد: 22) وقوله: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) (فصلت: 34) ولكن ذلك ليس بمحتم دائما لقوله تعالى: (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل) (الشورى: 41-42) إلى قوله: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) (الشورى: 43) .
(6) كان الأب مراكي Marracci وغيره من علماء النصارى يطعن في القرآن لقوله بتعدد العوالم في هذه الآية وغيرها مثل قوله: (الحمد لله رب العالمين) (الفاتحة: 2) وقد أصبحت هذه المسألة حقيقة علمية فلكية لا شك فيها (راجع ترجمة سيل للقرآن هامش 2 لسورة الفاتحة) والدابة تطلق على كل حيوان يدب أي يمشي على الأرض، ولو كان عاقلا كما يفهم من قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين) (النور: 45) كالإنسان
(ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير) (النور: 45) .
(7) أما قول القرآن الشريف في إبراهيم: (وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب) (العنكبوت: 27) فالظاهر منه أن ذريته كثرت وانتشرت في سائر بقاع الأرض مع القبائل الرحل في تلك الأزمنة وامتزجت بجميع الأمم امتزاجا تاما حتى صارت منهم، ومن هذه الذرية كانت جميع الأنبياء الذين أتوا بعد إبراهيم حتى من ظهر منهم في أمريكا فقد كانت متصلة بالعالم القديم في سالف الزمان ولا ننسى أننا لا نعلم تاريخ وجود إبراهيم باليقين، وهذا التفسير يوافق قوله تعالى بعد ذكر بعض أولاده
الأنبياء: (ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم) (الأنعام: 87) إلى قوله: (أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة) (الأنعام: 89) ويوافق أيضا التوراة الحالية (انظر مثلا تك 22: 17 و18) أما تغلب الكفر والوثنية والجهل والشر على تلك الأمم في عصور مختلفة كثيرة، فهو كتغلب المرض على الصحة في الأحياء جميعا حتى يقتلها وكتغلب الضعف والاضمحلال على الدول حتى يذهب بها، سنة الله في خلقه ليكون العالم في حركة دائمة ما بين صعود وهبوط، وأخذ وعطاء، وعلم وجهل، وصحة ومرض، وحياة وموت، وتقدم وتأخر إلى غير ذلك من الصفات الملازمة لكيان هذا العالم واللازمة لإظهار كل نواميس الوجود وإبراز جميع مواهب الإنسان وغيره لميدان العمل، وهي أدل دليل على حدوث هذا الكون ووجود خالقه الأزلي تعالى، وكل أمر من ذلك سيستقر ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال﴾ (الرعد: 17) وهذه الآية الشريفة تنطبق على العلوم الطبيعية وغيرها الحديثة القائلة بتنازع البقاء وبقاء الأنسب وسير كل ما في العالم في سبيل الارتقاء والكمال، فإن العالم كالنهر الجاري ترتفع أمواجه وتنخفض؛ ولكن ذلك لا يوقف سيره ولا يمنع تقدمه للأمام، فتبارك الله أحسن الخالقين.
(8) حاشية: جاء في كتاب (الأصول البشرية) صفحة 88 لمؤلفه لينج أن يوسيفوس المؤرخ اليهودي الشهير نقل عن مانيثو هذه الرواية المصرية القديمة التي ملخصها أن موسى بعد أن هزم فرعون مصر (الذي فر إلى بلاد الحبشة) حكم مصر 13 سنة، وبعد ذلك عاد إليه فرعون هو وابنه ومعهما جيش عظيم فقهروه وأخرجوه منها إلى بلاد الشام، وجاء في (قاموس الكتاب المقدس لبوست مجلد 1 ص410) أن هيرودوتس المؤرخ اليوناني في القرن الخامس قبل الميلاد قال: إن ابن سيسوسترس ضرب بالعمى مدة عشر سنين لأنه رمى رمحه في النهر وقد ارتفعت أمواجه وقت فيضه بسبب نوء شديد إلى علو غير اعتيادي اه، ويقول المؤرخون: إن ابن سيسوسترس هذا وهو منفتاح الثاني هو فرعون الخروج، ويتخذون هذه العبارة إشارة إلى غرقه في زمن موسى، ولكن يرى القارئ منها أنها لو كانت إشارة إلى الغرق لكان الغرق في النيل، ومن الرواية الأولى يعلم أن موسى حكم بعد فرعون 13 سنة في مصر، وهاتان الروايتان هما من أقدم الروايات المصرية وأصحها؛ وربما كانتا الوحيدتين في هذه المسألة، ولعل المصريين استغاثوا بمملكة الحبشة فأرسلت إليهم جيشا فأوحى الله إلى موسى بالخروج حينئذ من مصر وتركها لأهلها، وعليه يجوز أن المصريين تكتموا خبر غرق ملكهم واستبدلوه بدعوى تقهقره إلى الحبشة، وقالوا: إنه هو الذي عاد بعد ذلك وأخرج موسى بالقوة سترا لخزيهم وخذلانهم وإرضاء لملوكهم وأسر هؤلاء الملوك وربما أنه لولا عظم هذه الحادثة وشهرتها بينهم لأنكروها بالمرة، ومن ذلك تعلم أن الخروج لم يكن عقب غرق المصريين مباشرة كما يفهم من التوراة، ولم يكن السبب في هذه الحادثة التي غرق فيها فرعون وجيشه بل كان بعد ذلك ببضع سنين ويرى المطلع على القرآن الشريف أن هاتين الروايتين صادقتان في مسألة غرق فرعون في النيل ومسألة حكم موسى في مصر 13 سنة أما الغرق في النيل فيفهم من قول القرآن مثلا في سورة طه (إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في