الأطفال في التحتانية منهما ويجمع الكبار للصلاة في الفوقانية، ولا يبلغ تلاميذها
عدد الأصابع، وما فيها من المسلمين غير صبيين عربي وفارسي يتعلمان فيها
الإنكليزية، ورأيتهما يستهزآن بصلاة هؤلاء ويقول أحدهما للآخر: كيف يقبل الله
تعالى صلاة يغنون فيها بأدوات اللهو، ويقضون باسم الصلاة شهوات أنفسهم؟
وأما تاريخ زويمر، فالمشهور بين أهالي البحرين أنه في أول مجيئه قبل بضع
عشرة سنة صادف خشونة من الناس فهاجر إلى بلاد الحسا ليستقر فيها فوجد في
أهليها ذكاء وتنبها وأن البلاد العثمانية لا يسود فيها حكم لقونسل إنكليزي حتى
يستظهر مثله بكل ما ستسمع، فرجع إلى البحرين بخفي حنين، واستعذب ما يراه
من المهانة، وكان يلقب نفسه ضيف الله، والأهالي يدعونه ضيف إبليس! كذا ذكر
الناس، وكان قد فتح في مبدأ أمره حانوتا في السوق لبيع الكتب المختلفة ثم
تخصص بالتدريج لبيع الكتب المسيحية وبعد أعوام عزم على شراء أرض هناك،
فامتنع الحاكم أن يبيعه مع أنه اشترط على نفسه أن لا يضع فيها ناقوسا ولا غيره
من آثار النصرانية، ولا يدعو فيها إلى دينه، لكن زويمر توسل بقونسلية الإنكليز في
بوشهر والبحرين فألحت القونسلية على الحاكم وأخذت منه قدرا واسعا من الأرض
لزويمر بثمن أربعة آلاف روبية تقريبا وأسسوا فيه مدرسة ومستشفى صغيرا لنشر
دعوة الإنجيل بتمام حريته، أفلا يدل هذا وأمثاله على تورية في لهجة أوربا وادعاء
اجتناب ساستها الأمور الروحية وتجنب ديانتها الأمور السياسية؟
ولم يظهر خلال هذه الأعوام نجاح لزويمر إلا في أمور أربع، الأول: زيادة
راتبه ومعاشه إلى 150 ربية في الشهر غير ما يتبرع عليه بعض أحبائه
الأمريكانيين.
الثاني: تكثير عدد الدعاة في بلاد البحرين من رجال ونساء أمريكيات
يتطلبون بمسعاهم الارتزاق.
الثالث: استخدامهم لفقراء المسلمين في إدارتهم ثم يأخذون صورهم
ويرسلونها إلى بلاد أخرى يشيعون عنهم أنهم تنصروا، والصحيح أنهم (تبصروا)
في دسائس مخالفيهم، ولقد شاهدت في مستخدميهم الغيرة الإسلامية والشكوى مما هم
فيه حيث إن الفقر ألجأهم إلى خدمة عباد المسيح.
الرابع: توزيعهم نسخ الأناجيل بين المسلمين، ولشد ما أخطأوا في هذا الأمر
وسيندمون حين لا ينفعهم الندم؛ لأن أبناء القرآن إذ اطلعوا على آيات الإنجيل سقط
موقعها من أعينهم. وقد اتسع نطاق فحصي في ذلك فلم أجد مسلما يسمع الإنجيل
إلا ويتكلم عليه.
ولقد قال لي بعض البحرانيين: إنني كنت أعتقد قبل أن أرى الإنجيل أنه
كتاب إلهي ولكن يد التحريف مست بعض آياته، وبعد ما وصلتني منه نسخة سقط
من عيني حتى كدت أن أنكر نسبة شيء منه إلى الباري.
ولقيت الشاب الغيور يوسف كانون، أحد أجلاء البحرين، وممن يتحبب إليهم
زويمر وقد أتحفه بنسخة من العهدين، فقال: وقد أعانتني قراءتهما على محاجة
زويمر معي في كثرة أزواج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فقلت: إنها لا تنافي
رسالته من الله تعالى، وهذا سفر صموئيل من التوراة ينطق بأن سليمان النبي عليه
السلام تزوج بمائة من النساء وأن داود عليه السلام تزوج بغير زوجته على وجه
غير وجيه، إلى آخر ما قال.
وكان شبان العرب يذكرون لي ما سنح في خواطرهم من الاعتراضات على
الأناجيل، وجاء بعضهم يوما بنسخ من الإنجيل الموزع عليهم قد كتبوا على
هوامشها اعتراضات جمة. ولقد نهيتهم عن إحراقها إذ بلغني أن أكثر جهالهم
يأخذون نسخ العهود الموزعة عليهم ويحرقونها. أو يلقونها في البحر. ويبيعون
أغلفتها ويستعملون الأوراق لصنعة الكرتون أو سائر حوائجهم.
وبالجملة: إن نشر هؤلاء تلك الكتب بالمجان وشبهه تلقي خسارات باهظة
على كاهل جمعياتهم من دون فائدة، بل المرجح أن ذلك يعود عليهم بمضرة كبيرة
يصعب عليهم ملافاة أخطارها في المستقبل. وهي توجه أفكار المسلمين إلى إشاعة