تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التأليف.

(3) ومن الأمور التي لم يتحر فيها المؤلف الحقيقة: نقله ما يقول بعض

خصوم الجاحظ من الصفاتية وأهل السنة من أنه كان يقول: إن القرآن المنزل من

قبيل الأجساد، وإنه يمكن أن يصير مرة رجلا ومرة حيوانا إلخ إلخ،

والجاحظ أعقل من أن تنسب إليه هذه المقالة وهو من علمت، ومذهب

المعتزلة مبسوط معروف في كتب الكلام، ولم يسمع عنهم هذا القول،

والجاحظ لسانهم وحجتهم والمؤيد لمذهبهم، وإنما أخذ أعداؤه هذا من قوله في

القرآن: إنه مخلوق، أي كما تخلق بقية الموجودات من إنسان وحيوان. وترجمة

الجاحظ ذكرت في كثير من الكتب، وأخصها ترجمة ياقوت في معجم الأدباء،

وهي نحو 25 صفحة، ولا توجد فيها هذه الفرية، ولا أعرف المؤلف

نقلها عن غير الشهرستاني أو عمن نقل عنه.

* * *

التناقض

ناقض المؤلف نفسه في كثير من مواضع كتابه، فمن ذلك:

(1) قوله في صفحة (159) : (ويمتاز ابن الرومي بتفضيله المعنى

على اللفظ كالمتنبي فيطلب صحة المعنى ولا يبالي حيث وقع من هجنة اللفظ

وقبحه وخشونته، ومع ذلك فإنك تجد في نظمه سهولة ومتانة) .

قرأنا هذه العبارة فتعجبنا من تناقضها ولمحنا في أثنائها رقما يشير به إلى

الذيل من أنه أخذ هذه العبارة من العمدة لابن رشيق (ج 1 ص 82) فراجعنا العمدة

فإذا فيها: (ومنهم من يؤثر المعنى على اللفظ فيطلب صحته ولا يبالي ... ) إلخ.

ولم يذكر العبارة التي زادها مؤلفنا من عنده، فأوقع نفسه في التناقض كما أوقع

قارئ كتابه في حيرة.

(2) ومن تناقض كلام المؤلف قوله في صفحة 123 في تعرضه

لكتاب العين: (ولم ينبغ نحوي ولا لغوي ولا أديب في عصر الخليل وما يليه

إلا استفاد من كتابه، ولكن الثقات الباحثين مختلفون في حقيقة نسبته إليه،

وفي صحة ما جاء فيه من الروايات والأقوال، من ذلك ما رواه ابن النديم في

الفهرست عن ابن دريد قال: (وقع في البصرة كتاب العين سنة ثمان وأربعين

ومائتين قدم به وراق من خراسان وكان في ثمانية وأربعين جزءا فباعه

بخمسين دينارا، وكان قد سمع بهذا الكتاب أنه في خزائن الظاهرية حتى قدم

به هذا الوراق) .

فأنت ترى من هذه العبارة أن الكتاب اشتهر في عصر الخليل حيث لم

ينبغ نحوي ولا لغوي ولا أديب في عصره إلا استفاد منه على زعم المؤلف،

ولكن لا تكاد تفرغ من قراءة هذه الجملة حتى تقع في أن الثقات الباحثين

مختلفون في نسبته للخليل، وفي صحة ما فيه، فليت شعري من هم هؤلاء

الثقات الباحثون؟ أهم جميع النابغين من النحويين واللغويين والأدباء الذين

استفادوا جميعهم منه؟ أم هم غير هؤلاء النابغين؟

وبعد فمتى استفاد هؤلاء النابغون؟ والكتاب بشهادة ابن النديم بل بشهادة

كل من كتب في تاريخ كتاب العين لم يظهرإلا بعد موت الخليل بنحو سبعين

سنة، وذلك ما جعل العلماء يشكون فيه، وأنه لو كان للخليل لذاع أمره

وعرفه تلاميذه، ونقلوا عنه، مع أن تلاميذ الخليل مثل الأصمعي وأبي عبيدة

وأبي زيد وتلاميذهم، كل أولئك لا يعرفون عن كتاب العين شيئا، ولكن

مؤلفنا وحده يعلم أنه لم ينبغ نحوي ولا لغوي ولا أديب في عصر الخليل وبعده

إلا استفاد منه، ولله في خلقه شئون.

(3) ومن تناقض المؤلف قوله في صفحة 201 نشأ علم الجغرافية في

هذا العصر (أي: العصر الثاني العباسي) بعد نقل علوم القدماء إلى العربية،

وفي جملتها كتاب بطليموس وعليه معولهم في تقويم البلدان، على أن

المسلمين بدءوا بوضع الجغرافية قبل اطلاعهم على ذلك الكتاب لأسباب غير

التي دعت اليونان إلى وضعها إلخ فإن تمحلنا عذرا للمؤلف في هذا

التناقض، وقلنا: إنه استعمل شبه الاستخدام البديعي في كلامه فيكون قد ذكر

الجغرافية أولا بمعنى الرياضية وأعادها ثانيا الجغرافية التخطيطية التي كانت

تسمى علم المسالك والممالك، فلا يصح رفع التناقض من كلام المؤلف أيضا؛

لأن العرب اشتغلوا بالجغرافية اليونانية قبل العصر الثاني، والمأمون وعلماؤه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٨