تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التاجر: هذا هو الحق المعقول وإن كان بعض وجهاء بلادنا الذين مردوا على

النفاق وبعض طلاب المال والجاه من فضلات الاتحاديين، يسفهون أنفسهم ويحقرون

شعبهم بتفضيل أولئك المخربين عليهم، ثم إنهم يقولون: إن كل ما يطلب من

الإصلاح باسم اللامركزية يمكن أن يحصل بطريقة أخرى يسمونها توسيع المأذونية

فما رأي الأستاذ في ذلك؟

الأستاذ: إن ما يسمونه توسيع المأذونية ليس إلا توسيعا لنطاق الاستبداد، فهو

شر من عدمه؛ لأنه عبارة عن إذن المركز العام للولاة وغيرهم من الحكام الإداريين

بأن يتصرفوا في بعض الأمور بدون إذن من نظارة الداخلية، فهو يستلزم قلة

المسئولية والتجرئة على الاستبداد، ونحن في طور يجب أن تكون المسئولية فيه

شديدة على الحكام؛ لأنهم تربوا على الاستبداد والكبر الذي هو غمط الحق

واحتقار الناس؛ وذلك مناف لروح الحكومة التي هي شكل حكومتنا الرسمي الآن،

وعشاق الاستبداد يزهقون هذه الروح بمثل توسيع المأذونية؛ لأنه توسيع للسلطة

الشخصية، وكيف يتفق توسيع سلطة الولاة والمتصرفين فمن دونهم في حكومة

ضيق قانونها الأساسي سلطة السلطان الذي أثبت له منصب الخلافة والقيادة العامة؟

وسترى ما يترتب على ذلك من الفساد.

التاجر: بقي عندي سؤال واحد وهو أنني سمعت بعض الناس يقول: إن

اللامركزية ضرورية لا بد منها، ولكن هذا الوقت ليس وقتا لطلبها لاشتغال الدولة

بالحرب، فما رأيك في ذلك؟

الأستاذ: سمعت مثل هذا الكلام ورأيت أن بعضهم يقوله تزلفا للحكومة

الاتحادية ونفاقا؛ لأنه لا يجد كلاما يشنع به على طلاب اللامركزية أو الإصلاح

على قاعدتها غيره، إما مطلقا وإما كلاما مرجو القبول عند العقلاء، ومنهم من

يقوله لاشتباه الأمر عليه وميله إلى قبول كل رأي أو قول في تخطئة من يشغل

الدولة عن الحرب، وشبهة جميع من يقولون هذا القول هي أن الدولة مشغولة

بالحرب وهي أهم الأمور فلا يجوز أن تشغل بغيرها، والواجب أن يؤجل هذا

الطلب إلى أن يجتمع مجلس الأمة.

وجواب هذه الشبهة سهل جدا نذكره مختصرا لبيان جهلهم وإن كانت الشبهة

زالت بانقضاء الحرب، وهو من وجوه:

(1) أنه لا يقول عاقل: إن الحكومات والدول لا تشتغل في أثناء الحرب

إلا بها وبشئونها فتعطل لأجلها سائر مصالحها الإدارية والسياسية والعلمية

والعمرانية، بل يجب أن تشتغل كل نظارة منها بعملها الخاص وتدع أمور الحرب

لنظارة الحربية، وما يتعلق منها بالسياسة لمجلس الوكلاء، ونحن نرى الحرب لم

تمنع نظارة الداخلية من الاشتغال بقانون الولايات ومحاولة تنفيذه قبل جمع مجلس

الأمة وتصديقه عليه، فكان يمكنها أيضا أن تضع قانونا للإدارة اللامركزية، وإن

لم تنفذه موقتا كقانون الولايات.

(2) أن طلاب اللامركزية الذين جعلوا لجنتهم العليا بمصر قد ألفوا لها

حزبا سياسيا طلب من حكومة الآستانة التصديق عليه، وغرضه السعي إلى انتخاب

أعضاء مجلس الأمة المبعوثين من الموافقين لرأيه ليقرروه في المجلس، فأي شاغل

للدولة في هذا عن الحرب؟ وأي مانع فيها يمنع نظارة الحربية من القيام بما يجب

عليها في قتال أعدائها؟ وهل كان تقصيرها فيما يجب عليها ناشئا عن اشتغالها

بهذا الحزب؟ لا لا وأما طلاب الإصلاح في بيروت والشام والبصرة فقد طلبوا

من الحكومة ما رأوه مرجوا لبلادهم ولم يهددوها بثورة ولا عصيان ولا امتنناع

عما أوجبته عليهم من الضرائب والعشور، بل لم يجتمعوا أولا لطلب الإصلاح إلا

بإذن الحكومة، فهل يقول عاقل: إن هذا يشغل الدولة عن الحرب أو يمنعها

من الاستعداد لها؟

(3) لو أن اللامركزيين وطلاب الإصلاح ألفوا جمعية سياسية فدائية

كجمعية الاتحاد والترقي، وحاولوا أن يتوسلوا إلى نيل مقصدهم الجليل بكل ما تبيح

التوسل به جمعية الاتحاد والترقي الثورية إلى مقاصدها، لما كان لهذه الجمعية

وأنصارها والمنافقين لها أن يكونوا هم الذين يدعون الحق في لومهم، فإذا كانت

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٦٧