ونال الحظوة عندها؛ فأسست له جريدة في الآستانة كانت تنشرها في البلاد العربية
بقوة الحكومة، وهي الهلال العثماني، ولكن نفوذ الحكومة قد عجز عن جعل الناس
يتلقونها بالقبول، ثم سقطت هذه الجريدة المنافقة بسقوط وزارتهم (السعيدية) فلما
عادت لهم الكرة بفتنة أنور بك وألفوا الوزارة (الشوكية) أنشأوا لشاويش جريدة
أخرى باسم (الحق يعلو) وسمي أحد شبان المصريين المتصلين به مديرا لها؛ ليكون
مدح شاويش وإطراؤه فيها لنفسه سائغا مقبولا؛ ولئلا يكون إذا حالت الأحوال
مسئولا.
لم أقرأ في هذه الجريدة إلا عددا واحدا وجدت فيه دسيسة من شر دسائسهم في
التفريق بين العرب وإغراء العداوة والبغضاء بينهم الذي يراه الاتحاديون الوسيلة
إلى إضعافهم وأخذ منافذ الترقي والإصلاح عليه في سورية، وهو أنه زعم أن أهل
الذمة الذين بيننا يتربصون بنا الدوائر فإذا أمكنتهم الفرصة منا فعلوا بنا أقبح مما
فعل البلقانيون بمسلمي بلادهم من القتل والسلب والنهب والفضائح. . . فما الذي
حمل الاتحاديين على دفع الشيخ عبد العزيز شاويش على كتابة مثل هذا الكلام في
مثل هذا الوقت؟ أليس المعقول أن مصلحة الدولة الآن تقتضي الألفة أو السكون في
الولايات الآسيوية، وهي مرتبكة في الحرب البلقانية؛ لئلا تفتح على نفسها أبوابا
جديدة من المشاكل؟ ألم يكن الواجب على الشيخ عبد العزيز شاويش أن يكتم علمه
بما قاله، إن كان في ذلك على علم، وما هو علم ولا ظن بل هي فتنة؛ لئلا يكون
سببا لثورة في سورية تفضي إلى خروجها من ملك الدولة كما خرج غيرها؟ بلى،
ولكن الاتحاديين علموا أن أواخي الوفاق قد شدت بين المسلمين والنصارى في
بيروت، وأجمعوا على أن يكونوا يدا واحدة في طلب الإصلاح لبلادهم، وهذا ما
لا يطيقه الاتحاديون.
والظاهر أن تعريض البلاد العربية لاستيلاء أوربة عليها أخف على قلوبهم
وأدنى إلي سياستهم من اتفاق أهلها وإصلاح حالهم؛ فلهذا أوعزوا إلى محضاء
مفاسدهم بهذا من غير أن يحسبوا لعاقبته حسابا، وربما كان هذا الغلو في الإفساد
إلى هذه الدرجة من سوء اجتهاد الشيخ شاويش وجريا منه على ما تعود بمصر من
إطلاق العنان لقلمه في مثل هذا حتى زجه في السجن غير مرة ثم أخرجه من القطر
المصري كله، وإذا كان شأنه في التفريق بين المسلمين والقبط ما علمه الناس،
وفيها حكومة منظمة ومحاكم تقيم القانون، فكيف لا يكون شأنه في ذلك ما رأينا وأشد
مما رأينا منه في الآستانة؟ وهو يرمي عن قوس جمعية الاتحاد والترقي صاحبة
السلطة في المملكة العثمانية، وينضح بسهامها ويكافأ على ذلك بمال العثمانيين
المنكوبين بجميع أنواع المصائب بشؤم هذه الجمعية.
الشيخ عبد العزيز شاويش مفتون بحب الشهرة والزعامة، وهو يحاول أن
ينال بجاه الاتحاديين ما أعياه نيله بغلوه في الحزب الوطني المصري، والاتحاديون
يرون من مصلحتهم إيجاد زعيم عربي يخدعون به العرب، وليس الشيخ شاويش
بأهل لهذه الزعامة ولا الاتحاديون قادرين على ما يبغون منه، حتى إنهم لو قربوا
منهم بعض الأفراد الذين نالوا الثقة بحق بين العرب لكان قربه منهم وثقتهم به مما
يسرع بالتهمة إليه ويفيده الظنة، فإذا بدرت منه بادرة تنافي مصلحة قومه عدت
دليلا قاطعا على نفاقه وبيع ذمته للاتحاديين، فكيف إذا يستطيعون جعل الشيخ
شاويش زعيما عربيا ويرجون أن يؤثر كلامه في السوريين؛ وهو قد اشتهر بالنفاق
للترك والحط على العرب وفاق زعماء الحزب الوطني وكتابه في بغض السوريين
منهم خاصة، وهل ينسى السوريون - من هؤلاء - مطاعن جريدتهم اللواء فيهم،
وقولها في طائفة من جنودهم ما قاله مالك في الخمر؛ إذ كانت باخرة تحمل بعض
العسكر العثماني إلى اليمن ففر بعضهم من بورسعيد أو السويس وقيل: إنهم من
السوريين، فافترصت ذلك جريدة اللواء لسان حال الحزب الوطني وعدوة السوريين