تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

علي مع أني الصاحب القديم، والخل الذي هو على العهد إلى الممات مقيم:

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول

ومنازل في الأرض يألفها الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل

وأما ما ذكرتموه (أن الملل الكفرية كما عرفنا فوقت سهام انتقامها على الدين

القويم وفعلت بالمسلمين أقبح الأفاعيل إلى آخر ما شرحتموه) . فلا يخفاكم أن هذه

الأمة قد أخذت هذه الأزمان الطويلة وهي في اطمئنان بال وسكون الأحوال، لما

كان سلاطين آل عثمان قائمين بحماية الشرع الشريف، ولا مظهر لهم إلا أنهم

نواب الأمة الإسلامية في حقوق دينهم الحنيف، ولا شك أن أهل الملل المختلفة لا

يتجاسرون على هدم هذه السياسة؛ لأنها تستدعي الثورة العامة بين المسلمين

وغيرهم في جميع الأقطار الشاسعة، ولا أضر على الأجانب من هذه الحرب الدينية،

وبها كان يتهددهم السلطان السابق عند المشاكل الدولية، فيجنحون إلى الموافقة،

فلهذا عشنا وعشتم طول النشأة لم نسمع في الخارج بمشاقة، بل كان في آخر المدة

الأخيرة ما رفع الدولة لأعلى مكان حيث ظفرت باليونان واحتلت عاصمة ملكهم

بقوة عظيمة القدر والشان، فلما جاءت هذه النشأة الأخيرة من الأتراك تظاهروا

بالحرية ليرضوا أهل الملل الأخرى وأن الاختصاص بدين الإسلام هم منه على

فكاك؛ ولهذا سموا أنفسهم بالجامعة العثمانية، ليوحدوا الملل؛ هربا من الجامعة

الإسلامية، وقد أرسل جنابكم إلينا تلك الرسالة المؤلفة لشيخ الإسلام سري زاده

محمد صاحب ونبهتم - عافاكم الله - وعلى ما فيها من الإلحاد، وجزاكم الله خيرا

بتلك الإفادة.

فحينئذ حدث أمران: ضج أهل الإسلام من رغبة الأتراك عنهم، وطمع أهل

الملل في الأتراك لنفور الجمعية الإسلامية منهم، فأخذوا في انتهاب البلاد منهم،

فاستقلت ولاية البلغار، بعد أن كان ملكهم في زمن السلطان السابق برتبة ياوران،

وبيعت ولايتا البوسنة والهرسك علنا، وطرابلس خفية، وصدق لفرنسا على تبعية

تونس، وحينئذ قامت الأجانب يغار بعضهم على بعض فمدوا أيديهم إلى احتلال

البلاد العثمانية - لهذه الأسباب - ولغير العثمانية بطريق أولى، كتبريز وفاس كما

ذكرتم، مع أن فاس هذه من أعوام قريبة سعى السلطان السابق في استقلالها

بواسطة ملك ألمانيا لتحفظ من غوائل الأجانب، فتغيرت في هذه الأيام السياسة

الإسلامية من أهلها، فكان ما كان في مسافة ثلاث سنوات، وهذه الرابعة أقبلت فيها

تتداعى الشدائد من كل الجهات، وكل فريق يمد يده إلى ما شاء من النواحي

المختلفات.

وقد عرفناكم بمنشأ هذه الأحوال؛ لتعرفوا من هم السبب في محاق البلاد

الإسلامية والاضمحلال، فهم الأحق بالملامة والتقريع والتوبيخ وسلب الكرامة،

ويا ليت شعري ما المراد منا في الرابطة التي أشرتم إليها؟ فإن كان لقصد التسكين

المجرد إلى أن توافق معهم الأمور ثم يثبوا كأن لم يكن بيننا وبينهم صداقة كما كان

بالعام الماضي؛ إذ قدمنا لهم عشرة آلاف عود للسلك، وأمنا لهم الطرق، وتعهدنا

لهم بالإصلاح حتى صاروا دولة حقيقة يروحون ويغدون بكل شرف، فما كان منهم

إلا تدبير الحيلة في الهجوم للقبض علينا؛ فنجانا الله وآل الأمر إلى ما هم فيه من

الإهانة والحيرة؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أولا، توافق الأمور - كما هو المنتظر - إن لم يستعطفوا خواطر المؤمنين،

واشتد الحال أن آل إلى سقوط البلاد بأيدي الغير يسلمها الأتراك لهم، ولا يلزمنا إلا

قبول ما حلوه، وأبرموه فما في هذه إلا إقامة الحجة علينا من الله، وما المعذرة في

ذلك المقام الإلهي؟ . وإن كان القصد أن نكون نحن وهم شركاء في المواقع بدون

خداع في الحال والاستقبال: شركاء في الدفاع عن الدين، شركاء في الرأي حتى

نعلم ما يراد بنا، ونؤدي ما أوجب علينا ربنا، ولا نكون ألعوبة للأتراك يسلموننا إلى

الغير متى شاءوا، والعياذ بوجه الله، بل نكون على أمن من ذلك كله - فأهلا بالوفاق

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٤٩