بابياس في منتصف هذا القرن فعن مجموعة أخرى من أقوال المسيح وأخباره
غير مرتبة بحسب زمن وقوعها بخلاف هذا الإنجيل فإنه مرتب.
وأما لوقا فإنه أيضا ليس تلميذا للمسيح ولم يره وكذلك بولس أستاذه [1] ،
ولا يوجد دليل على أنه كتب إنجيله بالوحي، بل الظاهر من مقدمته أنه كتبه
بالاجتهاد (1: 1-3) ولم يذكر أيضا هذا الإنجيل صريحا في القرن الأول
والثاني إلى سنة 180 ميلادية، وقد اعترف مؤلفه أنه وجد قبله أناجيل أخرى
كثيرة، وهو يدل على تأخر زمنه.
وأما إنجيل يوحنا فلم يذكره أحد إلا في أواخر القرن الثاني، وفيه من
الأقوال والآراء ما لم يروه أحد غيره. مثال ذلك دعواه أن المسيح قال: 8:
58 (قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن) . ولا ندري لماذا لم تذكر أمثال هذه
العبارة في الأناجيل الثلاثة الأخرى؟ فهل كان العالم غير مستعد لهذه التعاليم
قبل كتابة إنجيل يوحنا كما يزعمون؟ مع أن بحث الناس في الكلمة
(Logos) بدأ قبل المسيح بقرون عديدة، فكان الفيلسوف اليوناني زينو
(Zeno) أستاذ الرواقيين من سنة 340 - 260 قبل الميلاد يعتقد أن الكلمة هي
الشيء العامل في الكون والخالق له والكائن فيه، وكان الناس في زمن المسيح
كثيري البحث في مثل هذه المسألة وغيرها، شديدي الشغف بأمثال هذه
الفلسفات اليونانية اليهودية التي نشأت عنها بعض العقائد المسيحية. ولذلك نجد
بحثا طويلا في هذه المسألة في كتابات فيلو (Philo) الفيلسوف
اليهودي الإسكندري الذي كان معاصرا للمسيح، وفي الترجوم الكلداني، وأيضا في
كتاب الحكمة (Wisdon) المنسوب لسليمان عليه السلام.
فلماذا إذا لم يذكر بحث الكلمة إلا في مؤلفات يوحنا دون سائر التلاميذ
الآخرين مع أن البحث كان شاغلا لأذهان الناس قبل المسيح وفي زمنه وبعده؟
فإن كان المسيح حقيقة قال تلك الجملة السابقة أو نحوها، فلماذا تركها
الإنجيليون الآخرون؟ ولماذا لم يرشدهم روح القدس بعد حلوله عليهم إلى جميع
الحق أو أهمه ليدونوه كما دونه يوحنا؟ أم كان الخوف من اليهود هو الذي
منعهم من ذلك كما يزعمون؟ ولماذا لم يمنع هذا الخوف النصارى الأولين من
المهاجرة بعقائدهم حتى نالهم من الاضطهاد والأذى والقتل ما نالهم على ما
يقولون؟ فكيف يمنع الخوف الرسل من بيان الحق للناس ولا يمنع من هم أقل
منهم من المجاهرة به في كل مكان وزمان؟ .
وهناك مسائل أخرى كثيرة مذكورة في هذا الإنجيل الرابع ذكرنا بعضها
سابقا في مقالة الصلب، ولا أثر لها في الثلاثة الأولى، كدعواه أن يوحنا ذهب
مع بطرس إلى دار رئيس الكهنة وقت محاكمة المسيح ودخوله وحده قبل
بطرس ثم استئذانه له (18: 15 و16) وأنه دون سائر التلاميذ كان واقفا
عند الصليب مع مريم أم عيسى (19: 26) وذهابه مع بطرس إلى القبر بعد
قيامة المسيح منه (20: 2 و3) وتسميته نفسه في أغلب الأوقات بالتلميذ
الذي يحبه يسوع (21: 20 و13 و13: 23 - 26) إلى غير ذلك مما لم
يرد في الأناجيل الأخرى، وهي كلها مسائل موضوعة من مؤلف هذا الإنجيل
للمبالغة في مدح يوحنا، وتعظيمه وتفضيله عن باقي التلاميذ، ولذلك لم
يروها إنجيل من الأناجيل الأخرى وهي من الأهمية بمكان عظيم لو صحت.
ومما يلاحظه الإنسان أن يوحنا يتكلم في رسائله بصيغة المتكلم، وأما
في هذا الإنجيل فيتكلم دائما عن نفسه بصيغة الغيبة. وورد في آخر هذا
الإنجيل (21: 24) هذه العبارة: هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا
ونعلم أن شهادته حق. وهي تشعر بأن بعض أتباع يوحنا في أفسس أخذوا ما
كتبه يوحنا وتوسعوا فيه ومنه ألفوا هذا الإنجيل ونسبوه إليه وعظموه فيه كثيرا،
واخترعوا له من الحوادث ما لم يذكره غيرهم، ثم قالوا: ونعلم أن شهادته
حق، ولذلك ترى هذا الإنجيل أصح عبارة في اللغة اليونانية من سفر الرؤيا
لمهارة كاتبيه فيها.
ومن غرائب استدلال النصارى على أن لبطرس يدا في تأليف إنجيل