تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشافعي أو غيره؛ لجهلهم بهذه المذاهب؛ ولئلا يضطرب أمر القضاء بتوسيع

مجال الأحكام فيه، وتتناوح أهواء القضاة إن أذن لهم بالحكم بما يرونه

الأصلح من هذه المذاهب في كل واقعة، ولا يمكن جعل الإذن خاصا بمسألة

أو مسألتين كفسخ النكاح، ولا تحب حكومة الآستانة أن تولي على كل بلاد

قضاة من أهل المذهب الذي عليه جميع أهلها أو أكثرهم؛ لأن من سياستها

جذب الناس إلى مذهب الدولة، أراد الشيخ التفصي من ذلك وتعليل أمر القضاة

بالحكم بالمذهب الحنفي وعدم تنفيذ غيره، فعلله أولا بقوله: (وإن قضاء قاض

على خلاف رأيه فيما هو مجتهد فيه لا ينفذ على القول المفتى به) فكان هذا

تعليلا في غير محله؛ لأن القاضي المجتهد غير موجود عندهم، فإن كان موجودا

وجب أن يولى على أن يحكم باجتهاده وحينئذ لا ينفذ ما يحكم به على خلاف رأيه،

وإن وافق المذهب الحنفي، فالحق أنه لا فرق في القضاة المقلدين الذين

ليس لهم رأي في المسائل بين حنفي وشافعي، ومسألة التنفيذ تابعة للسلطة فكل

من عينه السلطان القادر على التنفيذ ينفذ حكمه مهما كان المذهب الذي أمره

بالحكم به، وليست المسألة تعبدية.

وقد كان الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده رحمه الله تعالى طاف على المحاكم

الشرعية مفتشا لها بإذن الحكومة عقب توليه إفتاء الديار المصرية، وكتب تقريرا

ضافيا في طريقة إصلاحها، اقترح فيه عدم حصر القضاء في الحنفية توسعة على

الأمة، واقترح أيضا أن تؤلف لجنة من العلماء لاستخراج كتاب في أحكام

المعاملات الشرعية ينطبق على مصالح الناس في هذا العصر، ولا سيما الأحكام التي

هي من خصائص المحاكم الشرعية؛ ونحن لإيضاح المقام الذي نتكلم فيه نذكر

عبارته، ثم ما أيدناها به في مقدمتنا لذلك التقرير عند طبعه، أما عبارته فهذا

نصها:

الأحكام

(ما عليه العمل من أقوال العلماء في الأحكام الشرعية مذكور في الكتب

مخلوطا بالخلاف والبحث وطرق الترجيح، ومن رفعت إليه واقعة شرعية قد

يصعب عليه الحكم فيها إلا بعد مراجعته بعض المؤلفات الطويلة، وربما

احتاج إلى مراجعة عدة منها في أبواب مختلفة، وكثير من القضاة لا طاقة لهم

باستخراج الأحكام من هذه المطولات، وفي الحق أن ذلك غير ميسور إلا

لقليل ممن يصح توليته القضاء، اللهم إلا بعد إصلاح طريقة تعليم الفقه في

الجامع الأزهر وإعادتها إلى ما كان عليه السلف الصالح، وذلك أمر بعيد المنال

الآن. نعم يجب أن يكون القاضي مقتدرا على البحث والمراجعة في المشكلات

أما في كل حكم فذلك من العسر بمكان، وقد كثر الخطأ في أحكام الأوقاف والطلاق

والمهور والوصايا ونحو ذلك لهذا السبب.

ثم إنه توجد شئون للمسلمين تقضي الضرورة بالنظر فيها وبيان الأحكام

التي ترفع الضرر وتقرر العدل ولا تخالف الشرع، بل هي من قوامه كأحكام

الغائب والمفقود الذي ترك مالا، وهل يمكن إقامة وصي يخاصم له ويحفظ ماله ويدفع

الخصوم عنه، وتنفذ الأحكام عليه بالنيابة عنه؟ وهي من المسائل الخلافية في

المذاهب والوقائع فيها كثيرة، ورجال المحاكم فيها مضطربون،

وكالزوجة يتركها زوجها بلا منفق، أو يغيب عنها الغيبة الطويلة وتنقطع

أخباره أو يكون غير معروف المقر ولا أمل في الوصول إليه لو حكم عليه

بالنفقة، أو كان من المحكوم عليه بالأشغال الشاقة أو السجن لمدد طويلة

وتخشى على نفسها الفتنة، أو لا تجد ما تنفق منه ولا من تستدين منه على

حساب الزوج، ومثلها التي يكون زوجها حاضرا ولكنه لا ينفق عليها وهي

مضطرة لما تنفق منه، وكذلك التي يضارها زوجها في العشرة، فجميع ذلك

مما عمت به البلوى وكثرت فيه الشكوى من جميع أنحاء البلاد، وكثير من

النساء يبحن أنفسهن افتتانا أو اضطرارا للقوت؛ لأنهن لم يجدن السبيل إلى

دفع الضرورة، أو المخلص من الفتنة في المحاكم الشرعية على حالتها التي

هي عليها الآن، أليس من الواجب أن نفزع إلى الشريعة الإسلامية المطهرة؛

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٢٦