تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} (الأنفال:

60) .

وأنى للأمة الجاهلة اللاهية الغافلة بمثل هذه الصفات الفاضلة؟ وأين

منها هذه المزايا الفضلى والمعاني الجلى، وقد اشتغل سادتها وكبراؤها، وأمراؤها

وزعماؤها بالألقاب العاطلة، والفخفخة الباطلة عن إعداد القوة المرهوبة، وتهيئة

العدد المطلوبة، وبفتح زجاجات الخمور عن تحصين الثغور، وبتشييد القصور

والتفاخر بالرياش والملابس عن تشييد القلاع والحصون وإنشاء المدارس، وبنصب

مراسح التمثيل، ورفع منصات السفه والأباطيل عن تأسيس المعامل لبناء

الأساطيل والبواخر، وعمل الخراطيش والأسلحة والذخائر، وبالخرافات

والترهات عن إقامة المصانع لإبراز المصنوعات، وبالركون إلى البطالة

اعتمادا على موهوم الإمارة، عن تعميم الزراعة وتنشيط التجارة حتى

تكثر الثروة وتعز القوة، وبالتخيلات الشعرية والشهوت البهيمية عن العلوم والفنون

والمعارف العصرية، وبمطالعة روايات الفحش والفجور عن تواريخ الأمم

ووقائع الدهور، وبسير الفجار والأشرار عن سير القواد الكبار والأسلاف

الأخيار، وبتلقف أخبار زمرة الفسق والدعارة عن النظر في أحوال الأمة

والمملكة أو الإمارة، وبمعاقرة بنات الدنان، ومعانقة الغيد الحسان، عن تلاوة

القرآن لمعرفة أوامر الرحمن، وبالانهماك في قصص البغايا والبغاء، عن

الالتفات إلى أحاديث خاتم الأنبياء، وبالاعتناء الشديد بقول الخناس الوسواس، عن

الاهتداء بقول ذي العرش المجيد: ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس﴾ (الحديد: 25) وبالتفاني في طاعة النفس والهوى، في كل ما يضرهم ولا

ينفعهم، ويفسدهم ولا يصلحهم، وهم غافلون لاهون، لا يحسون ولا

يشعرون، عن امتثال أوامر فالق الحب والنوى، مما به يعلون ويعتزون، ولا

يهنون ولا يحزنون، ويحترمون ويهابون، ولا يهانون ولا يظلمون، يبيتون

لياليهم سجدا ولكن في المراقص والحانات. وركعا ولكن على مناضد

الخمور والمغيبات، وخشعا ولكن لأصوات المغنيات، ووسواس حلي

الراقصات، ويقضون نهارهم في سررهم نائمين، لا يهمهم من أمري الدنيا والدين،

إلا تناول المساحيق وابتلاع المعاجين ﴿ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين﴾ (المؤمنون: 106) {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من

الخاسرين} (الأعراف: 23) ، {ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا

} (الأحزاب: 67) ، ﴿ربنا هؤلاء أضلونا﴾ (الأعراف: 38) {ربنا لا تزغ

قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب} (آل عمران: 8)

فهل - والحال هذه - يفرح ذو شعور باختتام عام وافتتاح عام؟ أو تنشط نفس

مسلم غيور إلى السرور بتجدد الشهور والأيام؟ وهل يستلذ بمنام أو يهنأ بطعام

من يشاهد حال هذه الأمة، التي تراكمت عليها الخطوب المدلهمة، ويرى غفلة

رعاتها عن الواجبات الجمة، وتقاعدهم عن الأمور المهمة؟ ألا يليق بذي الإحساس

أن يبكي بدل الدمع دما؟ ألا يجدر به أن يلبس حدادا على هذه الأمة ثوبا أقتما

ألا يجب على كل مسلم أن يقبل على رب العالمين ويتضرع إليه بقلب خاشع

حزين، ولسان صادق مبين، قائلا في كل وقت وحين {أن لا إله إلا أنت سبحانك

إني كنت من الظالمين} (الأنبياء: 87) ألا يجب على المسلمين أن يسارعوا إلى

التوبة من كل باب، ويقلعوا عن المعاصي التي جلبت عليهم أنواع الهلاك

والخراب، وينيبوا إلى الرءوف الرحيم، ويستغفروه قائلين: {ربنا لا تجعلنا فتنة

للقوم الظالمين} (يونس: 85) {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك

أنت العزيز الحكيم} (الممتحنة: 5) ألا يجب عليهم أن يجددوا الإيمان،

ويوقنوا بوعد وعهد الواحد الديان، فيعملوا بتعليم القرآن، ويهتدوا بهدي أكمل

وأشرف بني الإنسان، ويقتدوا به صلى الله عليه وسلم، وبأصحابه أصحاب العزم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٠٤