ورواه مختصرا ابن أبي حاتم أيضا، وفيه انقطاع، فإن الشعبي لم يدرك زمان عمر رضي الله عنه. كذا قاله الحافظ ابن كثير، وساقه أيضا الواحدي، وزاد في آخره: قال عمر: فلقد رأيتني في دين الله أشد من حجر.
قال العلامة البقاعي: وقد روى هذا الحديث أيضا إسحاق بن راهويه في مسنده عن الشعبي، عن عمر رضي الله عنه. قال شيخنا البوصيري: وهو مرسل صحيح الإسناد، انتهى. وثم روايات متنوعات ساقها ابن كثير في تفسيره، لا نطول كتابنا بسردها، ومرجعها واحد. فإن قيل: بين رواية البخاري الأولى وما بعدها تناف. فالجواب: لا منافاة، لأن قراءته صلى الله عليه وسلم لها في محاورة عبد الله بن سلام، رد لقول اليهود، لا يستلزم نزولها حينئذ. فإن المعتمد في سبب نزولها غير قصة عبد الله بن سلام مما سلف من الروايات، فإن طرقها يقوي بعضها بعضا، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له عبد الله بن سلام: إن جبريل عدو لليهود، تلا عليه الآية، مذكرا له سبب نزولها - كذا قاله الحافظ ابن حجر في الفتح.
وقد أشار إلى ذلك السيوطي في " الإتقان " حيث قال: (تنبيه) قد يكون في إحدى القصتين، (فتلا) فيهم الراوي، فيقول: فينزل. وقال العلامة ولي الله الدهلوي قدس سره في كتابه " أصول التفسير ": وقد تحقق عند الفقير أن الصحابة والتابعين كثيرا ما كانوا يقولون: نزلت الآية في كذا وكذا، وكأن غرضهم تصوير ما صدقت عليه الآية وذكر بعض الحوادث التي تشملها الآية بعمومها. سواء تقدمت القصة أو تأخرت، إسرائيليا كان ذلك أو جاهليا أو إسلاميا، استوعبت جميع قيود الآية أو بعضها، والله أعلم.
فعلم من هذا التحقيق أن للاجتهاد في هذا القسم مدخلا، وللقصص المتعددة هنالك سعة، فمن استحضر هذه النكتة يتمكن من حل ما اختلف من سبب النزول بأدنى عناية، انتهى.
وقوله تعالى: ﴿ لجبريل ﴾ قرئ في السبع بكسر الجيم والراء بلا همز، وبفتح الجيم بدونها أيضا، وبفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة ثم ياء وبدونها. قال ابن جني: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه.
وقوله: ﴿ فإنه نزله ﴾ تعليل لجواب الشرط قائم مقامه، والبارز الأول لجبريل عليه السلام، والثاني للقرآن، أضمر من غير سبق ذكر، إيذانا بفخامة شأنه، واستغنائه عن الذكر، لكمال شهرته ونباهته، لاسيما عند ذكر شيء من صفاته. وقوله: ﴿ على قلبك ﴾ زيادة تقرير للتنزيل، ببيان محل الوحي، فإنه القابل الأول له، إن أريد به الروح، ومدار الفهم والحفظ إن أريد به العضو، وهذا كقوله:
نزل به الروح الأمين * على قلبك
[الشعراء: 193-194] وكان حق الكلام أن يقال: " على قلبي " لأنه المطابق لقل، ولكن جاء على حكاية كلام الله كما تكلم به تحقيقا لكونه كلام الله، وأنه أمر بأبلاغه.
وقوله: ﴿ بإذن الله ﴾ أي: بأمره. وقوله: ﴿ مصدقا لما بين يديه ﴾ أي: من التوراة وبقية الصحف المنزلة.
وقوله: ﴿ وهدى وبشرى للمؤمنين ﴾ أي: يهدي للرشد وبشرى لهم بالجنة، كما قال تعالى:
قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء
[فصلت: 44] الآية، وقال تعالى:
وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين
[الإسراء: 82] وفيه رد على اليهود، حيث قالوا: إن جبريل ينزل بالحرب والشدة كما تقدم، فقيل: فإنه ينزل بالهدى والبشرى أيضا. فإن قيل: من شأن الشرط والجزاء الاتصال بالسببية والترتب، فكيف استقام قوله: ﴿ فإنه نزله ﴾ جزاء للشرط؟ أجيب بأن قوله: ﴿ فإنه نزله ﴾ تعليل لجواب الشرط، كما أسلفنا. والمعنى: من عادى جبريل من أهل الكتاب، فلا وجه لمعاداته، بل يجب عليه محبته، فإنه نزل عليك كتابا مصدقا لكتبهم. فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه، في إنزاله ما ينفعهم، ويصحح المنزل عليهم. وقيل: الجواب محذوف تقديره: " فيمت غيظا ". وعليه فلا يكون (فإنه نزله } نائبا عنه. ووجهه أن يقدر الجواب مؤخرا عن قوله: ﴿ فإنه نزله ﴾ ويكون هو تعليلا وبيانا لسبب العداوة، كأنه قيل: من عاداه، لأنه نزل على قلبك فليمت غيظا.