وإذ يمكر بك الذين كفروا
[الأنفال: 30] معناه: وإذ مكر، وبين قوله تعالى، مصدقا إبراهيم خليله صلى الله عليه وسلم في إنكاره على أبيه عبادة الحجارة
لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر
[مريم: 42] وقوله تعالى:
أم اتخذوا من دون الله شفعآء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون
[الزمر: 43] فصح بهذا، صحة لا مجال للشك فيها، أن الحجارة لا تعقل. وإذ تيقن ذلك بالنص وبالضرورة والمشاهدة فقد انتفى عنها النطق والتمييز والخشية، المعهود كل ذلك عندنا. وأما الأحاديث المأثورة في أن الحجر له لسان وشفتان، والكعبة كذلك، وأن الجبال تطاولت، وخشع جبل كذا، فخرافات موضوعة نقلها كل كذاب وضعيف، لا يصح منها شيء من طريق الإسناد أصلا، ويكفي من التطويل في ذلك أنه لم يدخل شيئا منها من انتدب من الأئمة لتصنيف الصحيح من الحديث، أو ما يستجاز روايته، مما يقارب الصحة (انتهى كلام ابن حزم).
وقال ابن جرير: اختلف أهل النحو في معنى الهبوط - ما هبط من الأحجار من خشية الله - فقال بعضهم: إن هبوط ما هبط منها من خشية الله تفيؤ ظلاله. وقال آخرون: ذلك الجبل الذي صار دكا إذ تجلى له ربه. وقال آخرون: قوله: ﴿ يهبط من خشية الله ﴾ كقوله:
جدارا يريد أن ينقض
[الكهف: 77] لا إرادة له. قالوا: وإنما أريد بذلك أنه من عظم أمر الله يرى كأنه هابط خاشع من ذلك خشية الله. قال زيد الخيل:
بجمع تضل البلق في حجراته
ترى الأكم منه سجدا للحوافر
وكما قال سويد بن أبي كاهل، يصف عدوا له:
ساجد المنخر لا يرفعه
خاشع الطرف أصم المستمع
يريد أنه ذليل.
وكما قال جرير بن عطية:
لما أتي خبر الزبير تواضعت
سور المدينة والجبال الخشع
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿ يهبط من خشية الله ﴾ أي: يوجب الخشية لغيره بدلالته على صانعه، كما قيل: ناقة تاجرة إذا كانت، من نجابتها وفراهتها، تدعو الناس إلى الرغبة فيها، كما قال جرير بن عطية:
وأعور من نبهان، أما نهاره
فأعمى، وأما ليله فبصير
فجعل الصفة لليل والنهار، وهو يريد بذلك صاحبه النبهاني الذي يهجوه، من أجل أنه فيهما كان ما وصفه به. ثم اختار ابن جرير ما يقتضيه ظاهر الآية، وتقدم رد ابن حزم له مبرهنا عليه.
ثم رأيت الإمام الراغب حاول هنا تقريب ما نقل من الوقوف على ظاهرها بتأويله. وعبارته: قال مجاهد وابن جريج: كل حجر تردى من رأس جبل فخشية الله نزلت به، وقال الزجاج: الهابط منها قد جعل له معرفة، قال: ويدل على ذلك قوله:
لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله
[الحشر: 21] وقال:
ألم تر أن الله يسجد له من في السموت ومن في الأرض
[الحج: 18] إلى قوله:
والنجوم والجبال والشجر والدوآب
[الحج: 18]، وقد روى مثل هذا عن السلف، ولا بد في معرفة ذلك من مقدمة تكشف عن وجه هذا القول، وحقيقته. فإن قوما استسلموا لما حكي لهم من هذا النحو، فانطووا على شبهة. وقوما استبعدوا ذلك واستخفوا عقل رواته وقائليه، فيقال وبالله التوفيق: إن قوما من المتقدمين ذكروا أن جميع المعارف على أضرب: الأول: المعرفة التامة التي هي العلم التام، وذلك لعلام الغيوب الذي أحاط بكل شيء علما. والثاني: معرفة متزايدة، وهي للإنسان، وذاك أن الله تعالى جعل له معرفة غريزية، وجعل له بذلك سبيلا إلى تعرف كثير مما لم يعرفه، ليس ذلك إلا للإنسان. والثالث: معرفة دون ذلك، وهي معرفة الحيوانات التي سخرها لإيثار أشياء نافعة لها والسعي إليها. واسترذال أشياء هي ضارة لها وتجنبها، ودفع مضار عن أنفسها. والرابع: معرفة الناميات من الأشجار والنبات، وهي دون ما للحيوانات، وليس ذلك إلا في استجلاب المنافع وما ينميها. والخامس: معرفة العناصر، فإن كل واحد منها مسخر لأن يشغل المكان المختص به كالحجر في طلب السفل، والنار في طلب العلو، وذلك بتسخير الله تعالى، بلا اختيار منه. قالوا: والدلالة على ذلك أن كل واحد من هذه العناصر إذا نقل من مركزه قهرا، أبى إلا العود إليه طوعا. قالوا: ويوضح ذلك أن السراج يجتذب الأدهان التي تبقيه، ويأبى الماء الذي يطفيه، وأن المغناطيس يجر الحديد ولا يجر غيره. هذا ما حكوه.