تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قال: وخلاصة تقرير الدليل أن الكلام - الذي يتحدى الداعي به، وينسبه إلى الله - إذا ظهر منه التأثير التام في هداية النفوس المستعدة الطالبة، وقهر الأمم المنكرة المانعة، فأوجد أمة مستقلة نامية، وشريعة جديدة باقية، فلا يبقى ثمت شك أنه هو كلام الله النازل من السماء، والقدرة الظاهرة منه هي القدرة التي منذ القديم ظهرت من المرسلين والأنبياء. وإلى هذه النكتة أشير في قوله تعالى:

ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين

[الأنفال: 7]. وقال تعالى:

والذين يحآجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد

[الشورى: 16]. وهذه العلامة لا توجد إلا في كتب الله تعالى. ويتمكن كل إنسان أن يدركها ويفهمها منها. سواء كان عالما، أو أميا. أو عجميا. شرقيا، أو غربيا..! فمن الذي يشك أن بني إسرائيل ما خرجوا عن ظلمات الجهل إلى نور الإيمان، وعن ذلة العبودية إلى عز الاستقلال إلا بسبب التوراة..؟! ومن الذي يجهل أن الأمم الأوروبية ما وصلوا إلى عبادة الله تعالى - بعد عبادة الأوثان - إلا بواسطة الإنجيل..؟! ومن الذي لا يعرف أن الأمم الكبرى - من حدود الشرق الأقصى إلى أقاصي إفريقية - ما خرجوا عن ربقة الوثنية، وعبادة النار إلى التوحيد وعبادة الله إلا بهداية القرآن العظيم؟ وما تحرروا عن أغلال العقائد الفاسدة، والأعمال القبيحة، وما وصلوا إلى الأخلاق الفاضلة، والعقائدة الصحيحة إلا بنور هذا السفر الكريم..؟!

ثم قال: والخلاصة إن هذه العلامة وهي هداية النفوس، وإيجاد الديانة الجديدة - بقهر الأديان القديمة، وتبديل العوائد العتيقة - هي العلامة الظاهرة المميزة بين الكلمات الإلهية! والمصنفات البشرية. حتى إن أول نفس أذعنت بحقيقة رسالة رسول، وصدق شريعته، لو لم تعرف في نفسها هذه الهداية، ولم تشعر في ذاتها بهذه المغلوبية لما كانت أول من صدقه ولباه، واتبعه وآساه؛ فإن محبة الدين القديم الموروث راسخة في جميع الناس. والخوف من تبديل أركانه وآدابه متمكن في أعماق القلوب. فالهداية أظهر علامة في صدق النبوة والرسالة، إذ هي صفة الفعل، ومرتبطة بالدعوة - كالإبراء للطب، ومعرفة السطوح للهندسة، والبيع والشراء للتجارة، وصنع الأسرة والأبواب وغيرها للنجارة.

ثم قال: وإذا تصفحت القرآن المجيد، تجد أن الله تعالى استدل بها في مواضع متعددة، ووصف القرآن بأنه حجة - بما أودع فيه من الهداية والرحمة - ولا ترى موضعا واحدا وصفه بأنه أفصح الكتب وأبلغ الصحف، فانظر في قوله تعالى:

فلما جآءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل مآ أوتي موسى أولم يكفروا بمآ أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون * قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهمآ أتبعه إن كنتم صادقين

[القصص: 48-49]. أترى أن الله تعالى أفحمهم بقوله: فأتوا بكتاب من عند الله هو أصفح منهما أو أبلغ منهما؟ وكذلك لما انتقدوا على النبي صلى الله عليه وسلم بعدم صدور معجزة منه كالمعجزات السالفة، فقال تعالى:

وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنمآ أنا نذير مبين * أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون

[العنكبوت: 50-51]. فبين الله تعالى مزية القرآن على سائر المعجزات، وكفايته عن غيره بأن فيه الذكرى والرحمة. وقال تعالى في أول هذه السورة:

الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين

[البقرة: 1-2] وما قال فيه فصاحة وبلاغة يعجز عن مثلها جميع العالمين، وذلك لأن الفصاحة والبلاغة من الأوصاف الخفية الغامضة الدقيقة - التي تختلف فيها الأذواق، وتتشعب فيها الآراء والأنظار - ولكن ما ظهر من الرسول عليه السلام - بسبب نزول القرآن عليه - من العلم والقدرة على هداية الأمم، وإزالة أسقام أهل العالم، وتأسيس الشريعة الإلهامية، وإيجاد الأمة الإسلامية رغما للأمم الكبرى، ومباينا للديانات العظمى: أمر ظاهر محسوس، تصعب فيه المناقشة، ولا تفيد معه المغالطة. فمن الذي يمكنه أن ينكر أن الأمم العظيمة - كالعرب والفرس، والخزر، والترك، والهنود، والصينيين، وأهالي إفريقية - خرجوا من ظلمات الشرك، وعبادة النار والأوثان، وإنكار الأنبياء؛ ودخلوا في نور التوحيد، وعبادة الله وحده، والإيمان بأنبيائه ورسله وكتبه، بنور الكتاب المبين..!!

محاسن التأويل · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٣٤