منهم البدوي: ذو اللفظ الجزل، والقول الفصل، والكلام الفخم، والطبع الجوهري، والمنزع القوي.
ومنهم الحضري: ذو البلاغة البارعة، والألفاظ الناصعة، والكلمات الجامعة، والطبع السهل، والتصرف في القول القليل الكلفة، الكثير الرونق، الرقيق الحاشية. وكلا البابين فلهما - في البلاغة - الحجة البالغة، والقوة الدامغة، والقدح الفالج، والمهبع الناهج. لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم، والبلاغة ملك قيادهم، قدحوا فنونها، واستنبطوا عيونها، ودخلوا من كل باب من أبوابها، وعلوا صرحا لبلوغ أسبابها، فقالوا في الخطير والمهين، وتفننوا في الغث والسمين، وتقاولوا في القل والكثر، وتساجلوا في النظم والنثر - ومع هذا فلم يتصد للإتيان بما يوازيه أو يدانيه واحد من فصحائهم، ولم ينهض - لمقدار أقصر سورة منه - ناهض من بلغائهم، على أنهم كانوا أكثر من حصى البطحاء، وأوفر عددا من رمال الدهناء، ولم ينبض منهم عرق العصبية مع اشتهارهم بالإفراط في المضادة والمضارة، وإلقائهم الشراشر على المعازة والمعارة، ولقائهم دون المناضلة عن أحسابهم الخطط، وركوبهم في كل ما يرمونه الشطط: إن أتاهم أحد بمفخرة أتوه بمفاخر، وإن رماهم بمأثرة رموه بمآثر.
وقد جرد لهم الحجة أولا، والسيف آخرا، فلم يعارضوا إلا السيف وحده. فما أعرضوا عن معارضة الحجة إلا لعلمهم أن البحر قد زخر فطم على الكواكب، وأن الشمس قد أشرقت فطمست نور الكواكب؛ وبذلك يظهر أن في قوله تعالى: ﴿ ولن تفعلوا ﴾ معجزة أخرى، فإنهم ما فعلوا، وما قدروا، ومن تعاطى ذلك من سخفائهم - كمسيلمة - كشف عواره لجميعهم.
قال الحافظ ابن كثير: ذكروا أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة: ما أنزل على صاحبكم في هذه المدة؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة. فقال وما هي؟ فقال:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر
[العصر: 1-3]. ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال: ولقد أنزل علي مثلها. قال: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر! إنما أنت أذنان وصدر. وسائرك حفر نقر -. ثم قال -: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم إني أعلم أنك تكذب!
وحيث عجز عرب ذلك العصر، فما سواهم أعجز في هذا الأمر..! وقد مضى إلى الآن - أكثر من ألف وثلاثمائة عام، ولم يوجد أحد من معاديه البلغاء إلا وهو مسلم، أو ذو استسلام؛ فدل على أنه ليس من كلام البشر، بل كلام خالق القوي والقدر، أنزله تصديقا لرسوله، وتحقيقا لمقوله. وهذا الوجه - أعني بلوغه في الفصاحة والبلاغة إلى حد خرج عن طوق البشر - كاف وحده في الإعجاز، وقد انضم إليه أوجه:
منها: إخباره عن أمور مغيبة ظهرت كما أخبر. ومنها: كونه لا يمله السمع مهما تكرر. ومنها: جمعه لعلوم لم تكن معهودة، عند العرب والعجم. ومنها: إنباؤه عن الوقائع الخالية، وأحوال الأمم، والحال أن من أنزل عليه، صلى الله عليه وسلم، كان أميا لا يكتب ولا يقرأ، لاستغنائه بالوحي، وليكون وجه الإعجاز بالقبول أحرى. وبذلك يعلم أن القرآن أعظم المعجزات، فإنه آية باقية مدى الدهر، يشاهدها - كل حين بعين الفكر - كل ذي حجر. وسواه - من المعجزات - انقضت بانقضاء وقتها، فلم يبق منها إلا الخبر.
وقد ذهب بعض علماء الشيعة - في وجه إعجازه - إلى: كونه قاهرا لمن يقاومه، وغالبا على من يغالبه، ونافذا في إزهاق ما يخالفه. وكونه مؤثرا في إيجاد الأمة، وبقاء الشريعة، ونفوذ الحكم، وثبوت الكلمة، لما جعل الله فيه من النور، والهداية، والرحمة. وعبارته: إن كلام الله تعالى يمتاز عن غيره بالنفوذ، والغلبة في هداية الخلق، وإنشاء أمة مستقلة، وإبقاء شريعة جديدة. وهي علامة كافية في معرفة الكلمات الإلهية، والآيات السماوية.