تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ أي: من بليات الدنيا والآخرة. فالدعاء الأول في رفع شدائد التكليف، وهذا في رفع شدائد البليات.

ويقال: هو تكرير للأول وتصوير للإصر بصورة ما لا يستطاع مبالغة. ﴿ واعف عنا ﴾ أي: تجاوز عن ذنوبنا ولا تعاقبا ﴿ واغفر لنا ﴾ أي: غط على ذنوبنا واعف عنا ﴿ وارحمنآ ﴾ أي: تفضل علينا بالرحمة مع كوننا مقصرين مذنبين ﴿ أنت مولنا ﴾ أي: ولينا وناصرنا ﴿ فانصرنا على القوم الكافرين ﴾ فإن من حق المولى أن ينصر عبده ومن يتولى أمره على الأعداء. وفيه إشارة إلى أن إعلاء كلمة الله والجهاد في سبيله تعالى، حسبما أمر في تضاعيف السورة الكريمة، غاية مطلبهم.

قال البقاعي: فتضمن ذلك وجوب قتال الكافرين. وأنهم أعدى الأعداء. وأن قوله:

لا إكراه في الدين

[البقرة: 256] ليس ناهيا عن ذلك. وإنما هو إشارة إلى أن الدين صار في الوضوح إلى حد لا يتصور فيه إكراه. بل ينبغي لكل عاقل أن يدخل فيه بغاية الرغبة فضلا عن الإحواج إلى إرهاب، فمن نصح نفسه دخل فيه بما دل عليه عقله، ومن أبى دخل فيه قهرا بنصيحة الله التي هي الضرب بالحسام ونافذ السهام.

وقد ورد في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم:

" إن الله تعالى قال عقب كل دعوة من هذه الدعوات: قد فعلت ".

وقد روى البخاري والجماعة عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

" من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة، في ليلة، كفتاه ".

وروى الإمام أحمد عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" أعطيت خواتيم سورة البقرة من بيت كنز من تحت العرش، لم يعطهن نبي قبلي ".

وأخرج مسلم عن ابن مسعود قال:

" لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم، انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة. إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها. وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها، فيقبض منها. قال: ﴿ إذ يغشى السدرة ما يغشى ﴾ [ االنجم: 16 ] قال: فراش من ذهب قال، فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا، المقحمات ".

وعن ابن عباس قال:

" بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال: " هذا باب من السماء فتح اليوم. لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض. لم ينزل قط إلا اليوم. فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك. فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة. لن تقرأ حرفا منهما إلا أعطيته "

رواه مسلم والنسائي. وهذا لفظ مسلم.

وأخرج الترمذي والنسائي والدرامي والحاكم وصححه، عن النعمان بن بشير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام. أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان ".

وأخرج عبد بن حميد في مسنده عن الحسن: أنه كان إذا قرأ آخر البقرة قال: يا لك نعمة..! يا لك نعمة...!

هذا، وقد روى في فضل سورة البقرة أحاديث كثيرة... منها ما أخرجه مسلم والترمذي من حديث النواس بن سمعان قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

" يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران "

وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال:

" كأنهما عمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق. أو كأنهما حزقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما ".

وأخرج أحمد والحاكم والدارمي عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" تعلموا سورة البقرة. فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة. تعلموا البقرة وآل عمران فإنهما هما الزهراوان يجيئان يوم القيامة كأنهما غماماتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تجادلان عن صاحبهما ".

محاسن التأويل · الصفحة ٣٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٣٣١