[ الأنعام: 153 ].
وقد قيل: إن هذا مثل للمنافقين، وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها بين أهل الإسلام، ويكون بمنزلة قول الله تعالى:
كلمآ أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله
[المائدة: 64]. ويكون قوله تعالى:
ذهب الله بنورهم
[البقرة: 17] مطابقا لقوله تعالى:
أطفأها الله
[المائدة: 64] ويكون تخييبهم، وإبطال ما راموه، هو: تركهم في ظلمات الحيرة، لا يهتدون إلى التخلص مما وقعوا فيه، ولا يبصرون سبيلا؛ بل هم
صم بكم عمي
[البقرة: 18]. وهذا التقرير - وإن كان حقا - ففي كونه مرادا بالآية نظر، فإن السياق إنما قصد لغيره، ويأباه قوله تعالى:
فلمآ أضآءت ما حوله
[البقرة: 17] وموقد نار الحرب لا يضيء ما حوله أبدا. ويأباه قوله تعالى:
ذهب الله بنورهم
[البقرة: 17] وموقد نار الحرب لا نور له. ويأباه قوله تعالى:
وتركهم في ظلمت لا يبصرون
[البقرة: 17] وهذا يقتضي أنهم انتقلوا من نور المعرفة والبصيرة، إلى ظلمة الشك والكفر.
قال الحسن رحمه الله: هو المنافق أبصر ثم عمي، وعرف ثم أنكر. ولهذا قال:
فهم لا يرجعون
[البقرة: 18] أي: لا يرجعون إلى النور الذي فارقوه. وقال تعالى في حق الكفار:
صم بكم عمي فهم لا يعقلون
[البقرة: 171] فسلب العقل عن الكفار - إذ لم يكونوا من أهل البصيرة والإيمان - وسلب الرجوع عن المنافقين - لأنهم آمنوا ثم كفروا - فلم يرجعوا إلى الإيمان.
فصل
ثم ضرب الله، سبحانه، لهم مثلا آخر مائيا، فقال تعالى:
أو كصيب من السمآء فيه ظلمت ورعد وبرق يجعلون أصبعهم في آذانهم من الصوعق حذر الموت والله محيط بالكفرين
[البقرة: 19]. فشبه نصيبهم - مما بعث الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم - من النور والحياة بنصيب المستوقد النار التي طفئت عنه أحوج ما كان إليها، وذهب نوره، وبقي في الظلمات حائرا، تائها، لا يهتدي سبيلا، ولا يعرف طريقا؛ وبنصيب أصحاب الصيب - وهو المطر الذي يصوب - أي نزل - من علو إلى أسفل - فشبه الهدى - الذي هدى به عباده - بالصيب، لأن القلوب تحيى به حياة الأرض بالمطر. ونصيب المنافقين من هذا الهدى، بنصيب من لم يحصل له نصيب من الصيب إلا ظلمات ورعد وبرق. ولا نصيب له - فيما وراء ذلك - مما هو المقصود بالصيب - من حياة البلاد، والعباد، والشجر، والدواب؛ وأن تلك الظمات التي فيه، وذلك الرعد، والبرق، مقصود لغيره، وهو وسيلة إلى كمال الانتفاع بذلك الصيب. فالجاهل - لفرط جهله يقتصر على الإحساس بما في الصيب من ظلمة ورعد وبرق ولوازم ذلك من برد شديد، وتعطيل المسافر عن سفره، وصانع عن صنعته ولا بصيرة له تنفذ إلى ما يؤول إليه أمر ذلك الصيب من الحياة والنفع العام. وهكذا شأن كل قاصر النظر، ضعيف العقل، لا يجاوز نظره الأمر المكروه الظاهر إلى ما وراءه من كل محبوب. وهذه حال أكثر الخلق - إلا من صحت بصيرته - فإذا رأى ضعيف البصيرة ما في الجهاد من التعب، والمشاق، والتعرض لإتلاف المهجة، والجراحات الشديدة، وملامة اللوام، ومعاداة من يخاف معاداته - لم يقدم عليه؛ لأنه لم يشهد ما يؤول إليه من العواقب الحميدة، والغايات التي إليها تسابق المتسابقون، وفيها تنافس المتنافسون.
وكذلك من عزم على سفر الحج إلى البيت الحرام، فلم يعلم - من سفره ذلك - إلا مشقة السفر؛ ومفارقة الأهل والوطن، ومقاساة الشدائد، وفراق المألوفات؛ ولا يجاوز نظره وبصيرته آخر هذا السفر، ومآله، وعاقبته - فإنه لا يخرج إليه، ولا يعزم عليه. وحال هؤلاء، حال الضعيف البصيرة والإيمان، الذي يرى ما في القرآن من الوعد والوعيد، والزواجر والنواهي، والأوامر الشاقة على النفوس التي تفطمها عن رضاعها من ثدي المألوفات والشهوات - والفطام على الصبي أصعب شيء، وأشقه - والناس كلهم صبيان العقول، إلا من بلغ مبالغ الرجال العقلاء الألباء، وأدرك الحق علما، وعملا، ومعرفة؛ فهو الذي ينظر إلى ما وراء الصيب، وما فيه - من الرعد والبرق والصواعق - ويعلم أنه حياة الوجود.