تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال في صفتهم:

فهم لا يرجعون

[البقرة: 18] لأنهم قد رأوا في ضوء النار، وأبصروا الهدى، فلما طفئت عنهم لم يرجعوا إلى ما رأوا وأبصروا. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ ولم يقل: ذهب نورهم؛ وفيه سر بديع: وهو انقطاع سر تلك المعية الخاصة - التي هي للمؤمنين - من الله تعالى، فإن الله تعالى مع المؤمنين، وإن الله مع الصابرين، و

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون

[النحل: 128]. فذهاب الله بذلك النور: انقطاع المعية - التي خص بها أولياءه - فقطعها بينه وبين المنافقين، فلم يبق عندهم - بعد ذهاب نورهم - ولا معهم، فليس لهم نصيب من قوله:

لا تحزن إن الله معنا

[التوبة: 40]. ولا من

كلا إن معي ربي سيهدين

[الشعراء: 62].

وتأمل قوله تعالى:

أضآءت ما حوله

[البقرة: 17] كيف جعل ضوءها خارجا عنه، منفصلا، ولو اتصل ضوؤها به، ولابسه، لم يذهب، ولكنه كان ضوء مجاورة لا ملابسة ومخالطة، وكان الضوء عارضا والظلمة أصلية، فرجع الضوء إلى معدنه، وبقيت الظلمة في معدنها، فرجع كل منهما إلى أصله اللائق به: حجة من الله قائمة، وحكمة بالغة، تعرف بها إلى أولي الألباب من عباده.

وتأمل قوله تعالى:

ذهب الله بنورهم

[البقرة: 17] ولم يقل: بنارهم، ليطابق أول الآية، فإن النار فيها إشراق وإحراق: فذهب ما فيها من الإشراق - وهو النور - وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق - وهو النارية - وتأمل كيف قال: ﴿ بنورهم ﴾ ولم يقل: بضوئهم - مع قوله:

فلمآ أضآءت ما حوله

[البقرة: 17] - لأن الضوء هي زيادة في النور؛ فلو قيل: ذهب الله بضوئهم، لأوهم الذهاب بالزيادة فقط دون الأصل؛ فلما كان النور أصل الضوء، كان الذهاب به ذهابا بالشيء وزيادته، وأيضا فإنه أبلغ في النفي عنهم، وأنهم من أهل الظلمات الذين لا نور لهم؛ وأيضا فإن الله تعالى سمى كتابه (نورا)، ورسوله صلى الله عليه وسلم (نورا)، ودينه (نورا)، وهداه (نورا)، ومن أسمائه (النور)، والصلاة (نور)؛ فذهابه سبحانه بهم: ذهاب بهذا كله.

وتأمل مطابقة هذه المثل - لما تقدمه من قوله:

أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين

[البقرة: 16]. كيف طابق هذه التجارة الخاسرة التي تضمنت هول الضلالة والرضاء بها، وبدل الهدى في مقابلتها، وهول الظلمات - التي هي الضلالة والرضاء بها - بدلا عن النور - الذي هو الهدى والنور - فبدلوا الهدى والنور، وتعوضوا عنه بالظلمة والضلالة. فيالها من تجارة ما أخسرها، وصفقة ما أشد غبنها.

وتأمل كيف قال تعالى:

ذهب الله بنورهم

[البقرة: 17] فوحده ثم قال:

وتركهم في ظلمت

[البقرة: 17] فجمعها. فإن الحق واحد: هو صراط الله المستقيم - الذي لا صراط يوصل إليه سواه - وهو عبادته وحده لا شريك له، بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، لا بالأهواء، والبدع، وطرق الخارجين عن ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم - من الهدى ودين الحق - بخلاف طرق الباطل فإنها متعددة متشعبة، ولهذا، يفرد، سبحانه، الحق، ويجمع الباطل، كقوله تعالى:

الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات

[البقرة: 257]. وقال تعالى:

وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله

[الأنعام: 153]. فجمع سبل الباطل، ووحد سبيل الحق. ولا يناقض هذا قوله:

يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام

[المائدة: 16]. فإن تلك هي طرق مرضاته التي يجمعها سبيله الواحد وصراطه المستقيم، فإن طرق مرضاته كلها ترجع إلى صراط واحد، وسبيل واحد، وهي سبيله التي لا سبيل إليه إلا منها. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم

" أنه خط خطا مستقيما، وقال: " هذا سبيل لله " ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، وقال: " هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه " ثم قرأ قوله تعالى: { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون "

محاسن التأويل · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٧