أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني
ألم تعلموا أني ابن فارس زهدم؟
كان وقع عليه سباء فضرب عليهم بالسهام. وقوله: ييسرونني هو من الميسر، أي: يجزونني ويقتسمونني. وقال لبيد:
واعفف عن الجارات وامنحهن ميسرك السمينا!
فجعل الجزور نفسه ميسرا. ونقل الصاغاني، أن الميسر النرد. وقال مجاهد: كل شيء فيه قمار فهو من الميسر. حتى لعب الصبيان بالجوز.
﴿ قل فيهمآ إثم كبير ﴾ أي: عظيم - وقرئ بالمثلثة - وذلك لما فيها من المساوي المنابذة لمحاسن الشرع. من الكذب والشتم وزوال العقل واستحلال مال الغير ﴿ ومنفع للناس ﴾ دنيوية من اللذة والطرب والتجارة في الخمر، وإصابة المال بلا كد في الميسر. وفي تقديم بيان إثمه، ووصفه بالكبر، وتأخير ذكر منافعه مع تخصيصها بالناس، من الدلائل على غلبة الأول - ما لا يخفى على ما نطق به قوله تعالى: ﴿ وإثمهمآ أكبر من نفعهما ﴾ أي: المفاسد المترتبة على تعاطيهما أعظم من الفوائد المترتبة عليه، أي: لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة لتعلقها بالعقل والدين. وفي هذا من التنفير عنها ما لا يخفى. ولهذا، كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرضة؛ ولهذا، قال عمر لما قرأت عليه: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا! حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة:
يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون
[المائدة: 90-91].
تنبيه
ألف كثير من أعلام الأطباء والفلاسفة مؤلفات خاصة في مضرات المسكرات ولم تزل تعقد في بعض ممالك النصارى مؤتمرات دولية، تدعى إليه نواب من جميع دول العالم الكبيرة لمحاربة المسكرات، وعيافها، وإعلان تأثيرها في الأجساد والعقول والأرواح، وما ينشأ عنها من الخسران المالي، ومما قرره خمسون طبيبا منهم هذه الجمل:
1 - إن المسكرات لا تروي الظمأ بل تزيده.
2 - إنها لا تفيد شيئا في قضاء الأعمال.
3 - إنها توقف النمو العقلي والجسدي في الأولاد.
4 - إنها تضعف قوة الإرادة فتفضي إلى ارتكاب الموبقات، وتجر إلى الفقر والشقاء.
5 - هي من المسكنات كالبنج والإيثر.
6 - إنها تعد للأمراض المعدية.
7 - إنها تعد بنوع خاص للتدرن والسل.
8 - إنها تضر في ذات الرئة والحمى التيفودية أكثر مما تنفع.
9 - إنها تقرب النهاية المحزنة في الأمراض التي تنتهي بالموت. وتطيل مدة الشفاء في الأمراض التي تنتهي بالصحة.
10 - إنها تعد لضربة الشمس والرعن في أيام الحر.
11 - إنها تسرع بإنفاق الحرارة في أيام البرد.
12 - إنها تغير مادة القلب والأوعية الدموية.
13 - إنها كثيرا ما تسبب التهاب الأعصاب، والآلام المبرحة.
14 - إنها تسرع بحويصلات الجسم إلى الهدم.
15 - إن المقدار العظيم الذي يتناوله أصحاب الأعمال الجسدية من أشربتها هو سبب شقائهم وفقرهم وذهاب صحتهم.
16 - إن الامتناع عنها مما يفضي إلى صحة وسعادة الجنس البشري.
﴿ ويسألونك ماذا ينفقون ﴾ أي: يتصدقون به من أموالهم ﴿ قل العفو ﴾ وهو ما يفضل عن النفقة، أي: الفاضل الذي يمكن التجاوز عنه لعدم الاحتياج إليه.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" خير الصدقة ما كان عن ظهر غني، وأبدأ بمن تعول، ".
وأخرج مسلم عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا ".
وروى أبو داود والنسائي عن أبي هريرة قال:
" جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: عندي دينار، قال: " أنفقه على نفسك ". قال عندي آخر، قال: " أنفقه على ولدك ". قال: عندي آخر، قال: " أنفقه على أهلك ". قال: عندي آخر، قال: " أنفقه على خادمك ". قال: عندي آخر، قال: " أنت أعلم " ".