ذوقوا ما كنتم تكسبون
[الزمر: 24]. وكما فتنوا عباده عن الشرك، فتنوا على النار وقيل لهم:
ذوقوا فتنتكم
[الذاريات: 14]. ومنه قوله تعالى:
إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا
[البروج: 10] فسرت الفتنة - هنا - بتعذيبهم المؤمنين وإحراقهم إياهم بالنار، واللفظ أعم من ذلك.
وحقيقته: عذبوا المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم. فهذه الفتنة المضافة إلى المشركين. وأما الفتنة التي يضيفها الله سبحانه إلى نفسه ويضيفها رسوله إليه كقوله:
وكذلك فتنا بعضهم ببعض
[الأنعام: 53]، وقول موسى:
إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشآء وتهدي من تشآء
[الأعراف: 155] فتلك بمعنى آخر، وهي بمعنى الامتحان والاختبار والابتلاء من الله لعباده بالخير والشر, بالنعم والمصائب. فهذه لون، وفتنة المشركين لون. وفتنة المؤمن في ماله وولده وجاره لون آخر. والفتنة التي يوقعها بين أهل الإسلام كالفتنة التي أوقعها بين أصحاب علي ومعاوية، وبين أهل الجمل وصفين، وبين المسلمين حتى يتقاتلوا ويتهاجروا - لون آخر. وهي الفتنة التي قال فيها محمد صلى الله عليه وسلم:
" ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي "
وأحاديث الفتنة - التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها باعتزال الطائفتين - هي هذه الفتنة. وقد تأتي الفتنة مرادا بها المعصية، كقوله تعالى:
ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني
[التوبة: 49] يقوله الجد بن قيس لما ندبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، يقول: ائذن لي في القعود ولا تفتني بتعرضي لبنات الأصفر فإني لا أصبر عنهن..! قال تعالى:
ألا في الفتنة سقطوا
[التوبة: 49]، أي: وقعوا في فتنة النفاق وفروا إليها من فتنة بنات الأصفر.
والمقصود: أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يبرئ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتل في الشهر الحرام، بل أخبر الله أنه كبير وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبر وأعظم من مجرد القتال في الشهر الحرام، فهم أحق بالذم، والعيب والعقوبة، لا سيما أولياؤه، كانوا متأولين في قتالهم ذلك، أو مقصرين نوع تقصير يغفره الله لهم. في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات والهجرة مع رسوله وإيثار ما عند الله، فهم كما قيل:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد
جاءت محاسنه بألف شفيع..!
فكيف يقاس ببغيض عدو جاء بكل قبيح ولم يأت بشفيع واحد من المحاسن؟..
تنبيه
اتفق الجمهور على أن حكم هذه الآية: حرمة القتال في الشهر الحرام. ثم اختلفوا أن ذلك الحكم هل بقى أم نسخ؟
قال ابن القيم في زاد المعاد: في الفصل الذي عقده لما كان في غزوة خبير من الأحكام الفقهية. ما نصه: منها محاربة الكفار ومقاتلتهم في الأشهر الحرم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من الحديبية في ذي الحجة. فمكث بها ثم سار إلى خيبر في المحرم كذلك. قال الزهري عن عروة عن مروان والمسور، وكذلك قال الواقدي: خرج في أول سنة سبع من الهجرة. ولكن في الاستدلال بذلك نظر. فإن خروجه كان في آواخر المحرم لا في أوله، وفتحها إنما كان في صفر.
وأقوى من هذا الاستدلال بيعة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه تحت الشجرة بيعة الرضوان على القتال وألا يفروا. وكانت في ذي القعدة. ولكن لا دليل في ذلك، لأنه إنما بايعهم على ذلك لما بلغه أنهم قد قتلوا عثمان وهم يريدون قتاله، فحينئذ بايع الصحابة.
ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام دفعا، وإنما الخلاف أن يقاتل فيه ابتداء. فالجمهور جوزوه وقالوا: تحريم القتال فيه منسوخ، وهو مذهب الأئمة الأربعة رحمهم الله. وذهب عطاء وغيره إلى أنه ثابت غير منسوخ؛ وكان عطاء يحلف بالله ما يحل القتال في الشهر الحرام ولا نسخ من تحريمه شيء...! وأقوى من هذين الاستدلالين، الاستدال بحصار النبي صلى الله عليه وسلم للطائف، فإنه خرج إليها في أواخر شوال فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، فبعضها كان في ذي القعدة، فإنه فتح مكة لعشر بقين من رمضان، وأقام بها بعد الفتح تسع عشرة يقصر الصلاة، فخرج إلى هوازن وقد بقي من شوال عشرون يوما ففتح الله عليه هوازن وقسم غنائمها، ثم ذهب منها إلى الطائف فحاصروه عشرين ليلة، وهذا يقتضي أن بعضها في ذي القعدة بلا شك، وقد قيل: إنما حاصرهم بضع عشرة ليلة، قال ابن حزم: وهو الصحيح بلا شك وهذا عجيب منه. فمن أين له هذا التصحيح والجزم به..؟