قال الراغب: إن قيل: لم لم يقل: القتال فيه كبير، وشرط النكرة المذكورة إذا أعيد ذكرها أن يعاد معرفا، نحو: سألتني عن رجل والرجل كذا وكذا؟ قيل: في ذكره منكرا تنبيه على أن ليس كل القتال في الشهر الحرام هذا حكمه، فإن قتال النبي صلى الله عليه وسلم لأهل مكة لم يكن هذا حكمه، فقد قال:
" أحلت لي ساعة من نهار ولم تكن تحل لأحد قبلي ".
﴿ وصد عن سبيل الله ﴾ أي: عن دينه الموصل إلى رضوانه، أو عن البيت الحرام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم: سمى الحج سبيل الله.
قال الحرالي: والصد: صرف إلى ناحية بإعراض وتكره، والسبيل: طريق الجادة السابلة عليه الظاهر لكل سالك منهجه. ﴿ وصد ﴾ مبتدأ.
﴿ وكفر به ﴾ أي: بالسبيل - أعني الدين - أو بالله، عطف عليه. ﴿ والمسجد الحرام ﴾ عطف على ﴿ سبيل الله ﴾ أي: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام. وزعم الفراء أنه معطوف على الهاء في ﴿ به ﴾ أي: كفر به وبالمسجد الحرام. ﴿ وإخراج أهله ﴾ أي: أهل المسجد الحرام - وهم: رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون الذين هم أولياؤه - وهو عطف على ﴿ وصد ﴾ أيضا ﴿ منه ﴾ من المسجد الحرام؛ وخبر الأسماء الثلاثة ﴿ أكبر عند الله ﴾ جرما مما فعلته السرية من قتلهم إياهم في الشهر الحرام؛ لأن الإخراج فتنة ﴿ والفتنة أكبر من القتل ﴾ في الشهر الحرام، أي: فقد فعلوا بكم في المسجد الحرام ما هو أكبر من القتل فيه، وحرمة المسجد كحرمة الشهر.
..! هذا، وقيل: خبر ﴿ وصد ﴾ و ﴿ كفر ﴾ محذوف لدلالة ما تقدم عليه.
وأشار الرازي إلى إعراب آخر وهو: إن ﴿ صد ﴾ و ﴿ كفر ﴾ معطوفان على ﴿ كبير ﴾ أي: قتال فيه، موصوف بهذه الصفات. وعليه، ف ﴿ أكبر ﴾ خبر ﴿ إخراج ﴾ فقط.
وقد جنح لهذا المهايمي حيث قال في تفسيره: ﴿ قل قتال فيه كبير ﴾ من المعاصي الكبائر كيف وهو ﴿ وصد عن سبيل الله ﴾: أي عن التجارة التي جعلها الله سبيل الرزق لعباده ولو استبيح هذا القتل فهو ﴿ وكفر به ﴾ وصد عن ﴿ المسجد الحرام ﴾ إذا قتل الحجاج الخارجون في الشهر الحرام، فهذا وجه تحريم القتال في هذا الشهر ﴿ و ﴾ لكن ﴿ إخراج أهله ﴾ أي: إخراجهم أهل المسجد الحرام وهم النبي والمؤمنون ﴿ منه أكبر عند الله ﴾... إلى آخره. وهذا الوجه من الإعراب بديع، والأكثرون على الأول.
قال ابن القيم في زاد المعاد في تأويل هذه الآية: يقول الله سبحانه: هذا الذي أنكرتموه عليهم - وإن كان كبيرا - فما ارتكبتموه أنتم من الكفر بالله، والصد عن سبيله وعن بيته، وإخراج المسلمين - الذين هم أهله - منه، والشرك الذي أنتم عليه، والفتنة التي حصلت منكم به - أكبر عند الله من قتالهم في الشهر الحرام. ومما نسب لأبي بكر الصديق رضي الله عنه في هذا المعنى هذه الأبيات، ويقال هي لعبد الله بن جحش:
تعدون قتلا في الحرام عظيمة
وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صدودكم عما يقول محمد
وكفر به، والله راء وشاهد
وإخراجكم من مسجد الله أهله
لئلا يرى لله في البيت ساجد
فإنا - وإن عيرتمونا بقتله
وأرجف بالإسلام باغ وحاسد
سقينا من ابن الحضرمي رماحنا
بنخلة لما أوقد الحرب واقد
دما وابن عبد الله عثمان بيننا
ينازعه غل من القد عاند
قال ابن القيم في زاد المعاد: وأكثر السلف فسروا ﴿ الفتنة ﴾ هنا بالشرك، كقوله تعالى:
وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة
[الأنفال: 39] ويدل عليه قوله:
ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين
[الأنعام: 23] أي: لم يكن مآل شركهم وعاقبته وآخر أمرهم إلا أن تبرؤوا منه وأنكروه. وحقيقتها أنه الشرك الذي يدعو صاحبه إليه، ويقاتل عليه، ويعاقب من لم يفتتن به. ولهذا يقال لهم وقت عذابهم بالنار وفتنتهم بها:
ذوقوا فتنتكم
[الذاريات: 14]. قال ابن عباس: تكذيبكم. وحقيقته: ذوقوا نهاية فتنتكم وغايتها ومصير أمرها، كقوله: