كتب في قلوبهم الإيمان
[المجادلة: 22]، أي: جعل، وقوله:
فاكتبنا مع الشهدين
[آل عمران: 53]،
فسأكتبها للذين يتقون
[الأعراف: 156]، أي: أجعلها. أو بمعنى قضى، كقوله:
قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا
[التوبة: 51]، أي: قضاه، وقوله:
كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز
[المجادلة: 21]، وقوله:
لبرز الذين كتب عليهم القتل
[آل عمران: 154] أي: قضى.
قال الراغب: في الآية إشارة في تحري النكاح إلى لطيفة. وهي: أن الله تعالى جعل لنا شهوة النكاح لبقاء نوع الإنسان إلى غاية! كما جعل لنا شهوة الطعام لبقاء أشخاصنا إلى غاية! فحق الإنسان أن يتحرى بالنكاح ما جعل الله له على حسب ما يقتضيه العقل والديانة. فمتى تحرى به حفظ النفس وحصن النفس على الوجه المشروع، فقد ابتغى ما كتب الله له. وإلى هذا أشار من قال: عنى الولد.
﴿ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ﴾ أباح تعالى الأكل والشرب - مع ما تقدم من إباحة الجماع - في أي: الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل. وشبها بخيطين: أبيض وأسود، لأن أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق وما يمتد معه من غبش الليل، كالخيط الممدود. قال أبو دؤاد الإيادي:
فلما أضاءت لنا سدفة
ولاح من الصبح خيط أنارا...!
وقوله: ﴿ من الفجر ﴾ بيان للخيط الأبيض. واكتفى به عن بيان الخيط الأسود، لأن بيان أحدهما بيان للثاني. وقد رفع بهذا البيان الالتباس الذي وقع أول أمر الصيام. كما روى الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد قال: أنزلت ﴿ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ﴾ ولم ينزل من ﴿ من الفجر ﴾ وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعده ﴿ من الفجر ﴾ فعلموا إنما يعني الليل والنهار، ورويا أيضا.
واللفظ لمسلم - عن عدي بن حاتم قال:
" لما نزلت: ﴿ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ﴾ قال له عدي: يا رسول الله! إني أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالا أبيض وعقالا أسود، أعرف الليل من النهار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن وسادك لعريض، إنما هو سواد الليل وبياض النهار " ".
قال ابن كثير: ومعنى قوله: " إن وسادك لعريض " أي: إن كان يسع تحته الخيطين المرادين من هذه الآية؛ فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب..! وجاء في بعض هذه الألفاظ: " إنك لعريض القفا ". ففسره بعضهم بالبلادة - وهو ضعيف - بل يرجع إلى هذا؛ لأنه إذا كان وساده عريضا فقفاه أيضا عريض، والله أعلم. انتهى.
وفي الإتيان بلفظ التفعل في قوله تعالى: ﴿ حتى يتبين... ﴾ إشعار بأنه لا يكفي إلا التبين الواضح لا تباشير الضوء. وقد روى مسلم عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا "
وحكاه حماد بيديه، قال: يعني معترضا. وفي لفظ آخر عنه:
" لا يغرنكم نداء بلال ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر " - أو قال: - " حتى ينفجر الفجر "
وروى الإمام أحمد عن قيس بن طلق عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" ليس الفجر المستطيل في الأفق، ولكنه المعترض الأحمر "
ورواه الترمذي بلفظ:
" كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر "
قال: وفي الباب عن عدي بن حاتم وأبي ذر وسمرة. ثم قال: حديث طلق بن علي حديث حسن غريب من هذا الوجه، والعمل على هذا - عند أهل العلم - أنه لا يحرم على الصائم الأكل والشرب حتى يكون الفجر الأحمر المعترض، وبه يقول أهل العلم. انتهى.
قال بعضهم: المراد بالأحمر الأبيض، كما فسر به حديث: