الثالث: فيمن هو الداعي المجاب:
قال الراغب: بين تعالى - في هذه الآية - إفضاله على عباده، وضمن أنهم إذا دعوه أجابهم، وعليه نبه بقوله تعالى:
ادعوني أستجب لكم
[غافر: 60]. إن قيل: قد ضمن في الآيتين أن من دعاه أجابه، وكم رأينا من داع له لم يجبه! قيل: إنه ضمن الإجابة لعباده، ولم يرد بالعباد من ذكرهم بقوله:
إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن عبدا
[مريم: 93] وإنما عنى به الموصوفين بقوله:
إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين
[الحجر: 42] وقوله:
وعباد الرحمن
[الفرقان: 63] الآيات؛ وللدعاء المجاب شرائط وهي: أن يدعو بأحسن الأسماء، كما قال تعالى:
ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها
[الأعراف: 180] ويخلص النية، ويظهر الافتقار، ولا يدعو بإثم، ولا بما يستعين به على معاداته. وأن يعلم أن نعمته فيما يمنعه من دنياه كنعمته فيما خوله وأعطاه. ومعلوم أن من هذا حاله فمجاب الدعوة.ا.ه.
وقال ابن القيم، عليه الرحمة، أيضا في أول كتابه: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ما نصه، بعد جمل: وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب. ولكن قد يختلف عنه أثره، إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء. فيكون بمنزلة القوس الرخو جدا، فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا. وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام والظلم ورين الذنوب عن القلوب واستيلاء الغفلة والسهو واللهو وغلبتها عليه، كما في صحيح الحاكم من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة. واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه "
فهذا دواء نافع مزيل للداء، ولكن غفلة القلب عن الله تبطل قوته، وكذلك أكل الحرام يبطل قوته ويضعفها، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" يأيها الناس! إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿ يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ﴾ [المؤمنون: 51]. وقال: ﴿ يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ [البقرة: 172] ثم ذكر: الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك.. "
؟! وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه: أصاب بني إسرائيل بلاء، فخرجوا مخرجا، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم إنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة وترفعون إلي أكفا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام. الآن حين اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلا بعدا..!
ثم قال ابن القيم رحمه الله: والدعاء من أنفع الأدوية. وهو عدو البلاء، يدافعه، ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه إذا نزل. وهو سلاح المؤمن. كما روى الحاكم في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض! "
وله مع البلاء ثلاث مقامات: أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه. الثاني: أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفا. الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه..!
وقد روى الحاكم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة! "
وفيه أيضا، من حيث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: