[المائدة: 48] إلى قوله:
أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون
[المائدة: 50].
فحكم الله سبحانه وتعالى في دماء المسلمين أنها كلها سواء. خلاف ما عليه أهل الجاهلية. وأكثر سبب الأهواء الواقعة بين الناس - في البوادي والحواضر - إنما هي البغي وترك العدل، فإن إحدى الطائفتين قد يصيب بعضها دما من الأخرى، أو مالا، أو يعلو عليها بالباطل، فلا ينصفها. ولا تقتصر الأخرى على استيفاء الحق! فالواجب في كتاب الله الحكم بين الناس في الدماء، والأموال، وغيرها.. بالقسط الذي أمر الله به، ومحو ما كان عليه كثير من الناس من حكم الجاهلية...! وإذا أصلح مصلح بينهم فليصلح بالعدل، كما قال تعالى:
وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فآءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين * إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون
[الحجرات: 9-10]، وينبغي أن يطلب العفو من أولياء المقتول، فإنه أفضل لهم كما قال تعالى:
والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له
[المائدة: 45] قال أنس: ما رأيت نبي الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو..! رواه أبو داود وغيره. وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله "
وهذا الذي ذكرناه من التكافؤ، هو في المسلم الحر مع المسلم الحر، فأما الذمي: فجمهور العلماء على أنه ليس بكفء للمسلم. كما أن المستأمن الذي يقدم من بلاد الكفار - رسولا أو تاجرا أو نحو ذلك - ليس بكفء له، وفاقا. ومنهم من يقول: بل هو بكفء له. وكذلك النزاع في قتل الحر بالعبد.
النوع الثاني: الخطأ الذي يشبه العمد: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ألا إن قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا شبه العمد فيه مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلفة في بطونها أولادها "
سماه شبه العمد لأنه قصد العدوان عليه بالخيانة، لكنه بفعل لا يقتل غالبا، فقد تعمد العدوان ولم يتعمد ما يقتل.
الثالث: الخطأ المحض وما يجرى مجراه: مثل أن يكون يرمي صيدا أو هدفا فيصيب إنسانا بغير علمه ولا قصده، فهذا ليس فيه قود، وإنما فيه الدية والكفارة. وهنا مسائل كثيرة معروفة في كتب أهل العلم وبينهم.
التنبيه الرابع: قال الراغب: إن قيل: لم قال: ﴿ فمن عفي له من أخيه شيء ﴾ ولم يقل: فمن عفا له من أخوه شيئا..؟ قيل: العدول إلى ذلك للطيفة، وهي أنه لا فرق بين أن يكون صاحب الدم قد عفا أو جماعة، فعفا أحدهم. إذ القصاص يبطل ويعدل حينئذ إلى الدية، فقال: ﴿ فمن عفي له من أخيه شيء ﴾ ليدل على هذا المعنى، والهاء في قوله: ﴿ أخيه ﴾ يجوز أن تكون للمقتول ولوليه. وجعله أخا لولي الدم لا للنسب ولا لموالاة دينية، ولكن للإحسان الذي أسداه في الرضا منه بالدية.ا.ه.
الخامس: هذه الآية مفسرة لما أبهم في آية المائدة وهي قوله تعالى:
النفس بالنفس
[المائدة: 45] كما أنها مقيدة وتلك مطلقة، والمطلق يحمل على المقيد، وكذا ما ورد في السنة وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب فإنه يبين ما يراد في هذه الآية وآية المائدة. وقد رويت أحاديث من طرق متعددة بأنه: " لا يقتل حر بعبد ". كالأحاديث والآثار القاضية بأنه يقتل الذكر بالأنثى. فالتعويل على ذلك. وبالجملة: فقوله تعالى: ﴿ الحر بالحر ﴾... إلخ. لا يفيد الحصر البتة، بل يفيد شرع القصاص بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على سائر الأقسام. هذا ما اعتمدوه. والله أعلم.